محطات رمضانيه 
تاريخ النشر : 2025-03-20 15:45

المحطه الثالثه 

من العراق ...الجزء الاول من بغداد.

في الهجره الثالثه بعد ايلول من عام ١٩٧٠ وما تلاه من اختلال في نظام الحياه وبقرار مرتجل سريع دون كثير من التدبر ونتيجه لفكره جاءت من قريب للوالده رحمهم الله كان ضابطا في الجيش العراقى وكانت عائلته تسكن معنا في عمان وبعد احداث ايلول جاء لاصطحابهم الى العراق وقال لنذهب معا حتى تنتهي هذه الازمه كيف وما كيف قال لنذهب وهناك بنفكر ..وفعلا بسرعه لملمنا ما يمكن حمله وشهادات مدرسيه وشهادات نقل وتصديق وفي ليله ما فيها ضو قمر تمت المغادره . وصلنا العراق واذكر اننا نزلنا في فندق في ساحة الميدان التي تربط شارع الرشيد بشوارع المدينه الاخرى الى ساحة التحرير وفي الجهه المقابله الى الاعظميه والكاظميه ..في الميدان كانت تقع وزارة الدفاع بكامل هيبتها واناقتها في ذلك الوقت ويزين الميدان باصات الطابقين الحمراء ومن معالمه احد باعة شوربة العدس الذي كان يقف تحت فندق الخليج الذي كنا ننزل فيه وقد كانت فطورنا الصباحي مع صمون حار ..

التقينا في الفندق بالمرحومين الاستاذ محمود ابو دريقه والاستاذ بديع ابو الجبين وقد ساعدونا في البحث عن سكن عن طريق دلال في الاعظميه الذي قادنا الى بيت مشتمل في حي السفينه يتكون من ٣ غزف وحديقه واسعه مزينه باشجار الرارنج  اليلسمين والمجنونه ورائحة العطور تعبق بالمكان وامام الغرف الطوليه طارمه طويله مسقوفه البيت لعائله تسكن في الجهة الخلفيه وصاحب البيت كان يعمل مدير لشركه بيبسي كولا في اليصره وعائلته تقيم في فيلا خلفيه من الزوجه واربع اطفال ولدان وبنتان ..لصطحبنا الدلال لرؤية المشتمل وكانت صاحبة البيت تشترط عدم تاجيره الا لعائله محترمه ..ذهبنا شفنا المكان وكان رائعا الحي هاديء قريب من المدارس والاسواق وحافة النهر ومن المقابر الملكيه وحدائق الاعظميه .قال الدلال صاحبة الييت تريد شهرين نقدم وشهر تامين وشهر اجرة دلاله والاجره ١٥ دينار شهريا قلنا لا مانع لكن ليكن هناك تفاوض على التامين والمقدم قال لنرى صاحبة الييت بعد العصر تعالوا ونذهب لرؤيتها ..

طرق الباب واذا بسيده غايه في الجمال رحبت بنا جلسنا في الحديقه وقد جهزت ابريق الشاي والماء البارد وحبات من لكليجه وبعد الضيافه عرفنا الدلال عليها وقال السيده ام زكي صاحبة المنزل والمستاجرين اخواننا فلسطينيه من الاردن طلبت منهم حسب ما طلبتي تامين ومقدم ...ثارت في وجهه وقالت ما ٨تستحي مو عيب عليك ما عندك نخوه ماكو غيره احمر وجه الرجل وقال ماذا فعلت قالت فلسطينيه وتريد من عندهم تامين ومقدم ما تستحي وين اودي وجهي وين اصخم وجهي انطيهم المفتاح ويا هلا بيهم البيت بيتهم بدون ايجار قلنا هذا الكرم ليس غريبا عليكم وقد غمرتينا به لكن بدون ايجار ما تقبل قالت الايجار كان ١٥ لعيونكم ١٣  قلنا ماشي والف شكر ..قالت متى تيجون قلنا غدا او بعد غد لشراء بعض اللوازم قالت تجون وقت ما تحبون واذا سمحتم عندي فرش واغطيه وحصير وادوات مطبخ ساضعها لكم وعشاكم باجر يمنا ويا هلا بيكم ..

انتقلنا الى البيت وكانت اطيب وافضل جيره يمكن لما تذكرها عبر التاريخ نعم الاهل والخاله التى احتضنتنا كابناء بكل حب وحنان ...

الحي كان شيعيا في اغلبه وبكل صراحه لم يكن لدينا ادنى فكره عن التشيع والسنه والمذاهب كان مسجد ابو حنيفه يقع بحاتب النهر ويقابله مرقد الامام الكاظم وقد اصطحبت ام زكي الوالده لزيارة الكاظم والتبضع من الاسواق والتعرف على المكان ...

من المفارقات ان اهل الحي يقسمون بالحسين والعباس وفي مره سالتهم الوالده لهل درجه بتحبوا الملك حسين لتحلفوا براسه ..

امسكتها وقلت رح تودينا بداهيه الحسين هنا ليس الحسين هناك الحسين هو سبط الرسول عليه الصلاةوالسلام  قالت والله فكرتهم بيحلفوا بالملك حسين ...

كانت حديقة المشتمل واسعه والماء الخابط القادم من النهر غزير لذلك تم تنظيفها وعمل احواض تمت زراعتها بصل وفجل وفالفل وبقدونس وباذنجان وخيار صار عباره عن مستنبت ولا اروع وفي زاويه جمعت الوالده احجار الطابوق الاحمر وبنت فرن طيني حيث الحطب متوفر بكثره وهي كانت ماهره في صناعة الخبز والفطائر ولم يتبق بيت الا واكل من خبزنا وفطائرنا وبادلونا ما لديهم ..

كان احد الجيران بياع رقي على العربه وزوجته صديقه لنا كلما مر من امام بيتنا ينزل رقيه وعندما ساله الجيران ليش بس الهم تنزل رقى قال مو ذوله فلسطينيه خطيه ..

جاء رمضان وكانوا يحتفاون برمضان ويزينون له مداخل البيوت والحدائق ومن اجمل الزينه ما يعلق على مسجد ابي حنيفه من اضواء وفوانيس تسر الناظرين وكانت العشائر تتصب صواوينها لتقدم الافطارات في رمضان حيث كانوا ياتوتون في ويارات ويقيمون اللياليى من ذكر ومديح واناشيد.تصدح حتى وقت السحور جميل ليل رمضان  لكن صيام نهاره  قليل اعذار مضحكه والله رجلي توجعني عيني توجعني ما اقدر الله يغفرلي الحسين يتشفع لي وهكذا والشيعه لا يصلون التراويح في رمضان ويفطرون بعد الوقت ولا يعيدون مع السنه لكن كانوا يتبادلون الصحون وهريسة لحسين التي كان مذاقها مختلفا حتى ان طلبنا منهم عدم وضع السكر على حصتنا من الهريسه 

عرفناهم على القطايف وغمرونا بالزلابيه يوميه زلابيه وخبز عروق وبتيته جاب وشوربة عدس وتبسي ...

وفي كثير من الايام تاخذ العائلات فطورها وتذهب الى الحديقه لتجتمع سويا وتفطر وتشرب الشاي وتسهر حتى الصباح ..

تمتليء المقاهي بعد الفطور ومن يذهب لاداء التراويح للصلاه خلف الامام صاحب الصوت العذب يعود بعد الصلاه لاكمال لعب الطاوله وشرب الشاي ..

اجواء ولا اجمل وناس اهل كرم وطيبه وجوار ولا اروع ..

مرض ابو زكي واضطرت العائله للرحيل الى البصره لتكون بقربه وافترقنا ...

لتبدا هجره اخرى ورمضان كريم في مكان اخر ...