سألتني مرّة، صبية ذكيّة نديّة فتيّة، تدرس في جامعة جورج تاون:
"هل الوجود العربي في الاندلس كان فتحا أم استعمارا؟؟؟!!!،
ماذا اجيبها، وهل لديّ اجابة جاهزة مُقنعة قاطعة، أُخرجها، كما يفعل السحرة، وألقيها امامها،
حاولت كسب بعض الوقت، وقلت لها، من وجهة نظرنا نحن العرب المسلمين فقد تمّ فتح الاندلس على يدي القائد المسلم الشاب الفذ طارق بن زياد،
وحكايته معروفة مع حرق السفن والخطابة في جيشه: "البحر من ورائكم والعدو امامكم وليس لكم والله إلا القتال والصبر والنصر"،
وكان النصر وفُتحت الاندلس، وبقي أثر طارق بن زياد ماثلا حتى يومنا هذا من خلال المضيق، يحمل اسمه: "مضيق جبل طارق"،
أما بالنسبة "للفرنجة"، أي الاسبان في هذه الحالة فربما اعتبروا في تاريخهم وثقافتهم ان ذلك كان نوعا من الاستعمار، لكن الاستعمار المُستنير، فوجود العرب المسلمين في الاندلس قاد إلى نهضة اوروبا الحديثة، من كبوة القرون الوسطى،
تعافت وانطلقت وحتى سبقتنا نحن العرب، الذين جرّتنا اربعة قرون من الحكم العثماني إلى "مكانك راوح، مكانك سر"!!!
أمّا الثمانية قرون التي أمضاها العرب المسلمون في الاندلس، في ظل حضارة مستنيرة مبدعة متطورة، فقد كانوا بوتقة سلام وامان ووئام لكل من عاش في الاندلس في تلك الحقبة التاريخية، بغض النظر عن دينه "واصله وفصله"،
سأسرد في هذا المقال الاندلسي، الذي يعبق بنسائم نهر الوادي الكبير، وعراقة طليطلة واشبيلية وقرطبة وغرناطة وملغا، عدة مواقف او محطات أو احداث، أو حتى مصادفات، تُدلل على النور المنبعث من جنبات حُكم العرب في الاندلس والاثر الطيب الذي تركوه في اللغة والثقافة والحضارة الاسبانية، وحتى يومنا هذا،
زُرت برشلونة عدة مرّات،
في احدى زياراتي إلى عاصمة كاتالونيا والميناء الاهم والاشهر لاسبانيا ومربط خيل نادي برشلونه الاشهر من نار على علم، مدينة برشلونه،
تسنّى لي عمل جولة في الحديقة المرتفعة الواسعة ، التي تحتضن في احشائها ملعب نادي برشلونه،
حديقةٌ جميلةٌ، غنّاء، اشجارها باسقة وارفة الظلال، وازهارها متعددة الاشكال والالوان وعبق الروائح الفوّاحة،
قالوا لي ان اسم الحديقة: "حديقة مونجويف"، باللغة الكتالانية، التي تشبه او ربما تتطابق مع اللغة الاسبانية،
وعندما دقّقت بالاسم، وسألت، قالوا لي: إنّ اسمها: "حديقة جبل اليهودي!!!"،
وعندما استزدت من شعر المعرفة بيتا وبيتين وثلاثة ابيات، قالوا لي: ان انشاءها يعود إلى زمن العرب في الاندلس، وأن الذي انشأها كان مهندسا يهوديا، يعمل مع والي الاندلس المسلم،
ولهذا اطلقوا عليها هذا الاسم،
ماذا يعني هذا يا سادة يا كرام ويا اجاويد اصحاب الحظ السعيد والعمر المديد ان شاء الله؟؟؟،
يعني ان اليهود كانوا يعيشون بسلام ووئام وبحقوق كاملة ومُتساوية، في كنف وظل الدولة العربية الاسلامية في الاندلس،
ولهذا كانت تسود في الاندلس حينها مقولة: "منّا الامارة ومنهم الوزارة"، أي ان الامير كان عربيا مسلما، ووزيره كان يهوديا او من ديانة او طائفة اخرى،
وهذا الكلام بذاته بصفاته تُثبته المحطّة الثانية، التي سأسردها عليكم:
" دُعيت إلى فعالية، عندما كنت سفيرا لفلسطين في المكسيك، في مدينة سان ميغيل دي اليندي، التي تبعد حوالي 150 كيلومترا عن العاصمة،
المدينة معروفة بارثها الوطني والثقافي، وهي مدينة هادئة، يقطن فيها العديد من الموطنين من الولايات المتحدة، المتقاعدين الباحثين عن مكان هادئ ولطيف وآمن،
دعاني رئيس بلدية المدينة إلى فعالية تراثية جميلةيتخللها مهرجان في شوارع المدينة القديمة،
عندما وصلت استقبلني الصديق اكاسيو، مدير العلاقات العامة في البلدية، واعتذر مني ان الفندق الذي انزل فيه عادة حين ازورهم مليء عن بكرة ابيه بالنزلاء، وانه حجز لي في فندق آخر، في نفس المنطقة، مركز المدينة القديم التراثي الاثري،
على بركة الله، وليس على الكريم شرط، قلت في نفسي، ونزلت في الفندق المعني،
كان الطقس لطيفا صيفيا والسماء صافية، فجلست بعد حصولي على الغرفة، في بهو خارجي بجانب نافورة ماء داخل حوض اشبه ما تكون بالتصميم الاندلسي،
طلبت فنجان قهوة وبدأت ارتشف مذاقها على لسعات اشعة الشمس التي بالكاد المظلة الكبيرة فوق الطاولة في هذا الفناء، تُخفّف من قوّة اشعتها،
في لحظة ما ظهرت امامي صبية طويلة نشطة تلبس ملابس محتشمه اقرب إلى الرسمية،
ألقت التحية وخاطبتني بسعادة السفير وقالت لي: "مالك الفندق يرغب في التعرّف على سعادتك،
اهلا وسهلا قلت لها، فنحن الضيوف في فندقكم،
لحظات وظهر امامي رجل ذو طول معقول اسمر الوجه ملامحه توحي بانها اقرب إلى الملامح العربية، بشعره الابيض الاجعد، يحمل في يده ورقة مكتوب عليها بخط ماكينة،
سلّم وعرّف عن نفسه واسمه، وقال أنا اصلا يهودي تركي وعائلتي ترجع في جذورها إلى الاندلس، وانا مكسيكي،
وقد اخبروني بانك سفير فلسطين فاحببت ان اتعرّف عليك وان اريك شيئا،
وهنا ناولني الورقة المكتوب عليها بالاسبانية طبعا وقال:
" هذا مقال كتبته ونشرته في صحيفة مكسيكية عن حياة اليهود في الاندلس وعن الاحترام والمساواة التي كنا نحوز عليها في كنف الدولة الاسلامية في الاندلس،
أكّدت له ان هذا الكلام صحيح وانه ليس لدينا اية مشكلة مع اليهود في اي مكان في العالم، مشكلتنا هي مع الاحتلال الاسرائيلي الذي اغتصب ارضنا وشرّد شعبنا،
وقد احتفظت بالمقال حينها،
وفي نفس المجال والمقام والصدد، على سيرة التواجد اليهودي في الاندلس، فقد كنت قد رأيت فيديو مصوّر لاحد حاخامات جماعة ناطوري كارتا، وهي جماعة يهودية معادية للصهيونية ومع حقوق الشعب الفلسطيني ومع فلسطين كدولة في فلسطين،
الفيديو تم تصويره في مظاهرة في الولايات المتحدة مناهضة للاحتلال الاسرائيلي، وقد قال الحاخام في الفيديو واسهب واكّد ان العصر الذهبي لليهود كان في كنف الدولة العربية الاسلامية في الاندلس،
العرب واليهود كانوا يعيشون بسلام ووئام في ظل الدولة العربية الاسلامية في الاندلس،
وعندما اتحد ملكا اسبانيا فرديناند وايزابيل بالزواج والحكم، وحاربوا العرب في الاندلس وخسر العرب ممالكهم ومعاقلهم ومدنهم الواحدة تلو الاخرى،
وبعد تسليم غرناطة، آخر معاقل العرب، وقف ابو عبد الله الصغير على تلة يبكي،
فقالت له امه جملتها المأثورة:
"إبكِ كالنساء مُلكا لم تُحافظ عليه مثل الرجال"،
بعدها اجبر الاسبان العرب واليهود بالتنصير، أي التحوّل إلى النصرانية، المسيحية،
وعلى اثر ذلك تم طرد اليهود "السفارديم" من الاندلس، اسبانيا،
وما زال اليهود، غير الصهاينة، يعترفون بهذه الحقيقة التاريخية، ويحنّون إلى ايامهم في الاندلس، أيام بوتقة العرب في الاندلس، بوتقة السلام والمساواة والوئام.
