واشنطن: أشارت "وول ستريت جورنال" إلى تُواصل إسرائيل والولايات المتحدة جهودهما الرامية إلى تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين من قطاع غزة، وهي خطوةٌ قدّمتاها بعباراتٍ إنسانية، لكن حكوماتٍ في أوروبا والعالم العربي انتقدتها باعتبارها غير واقعية وانتهاكًا محتملًا للقانون الدولي.
وقد حظيت هذه الفكرة، التي ناقشها المسؤولون الإسرائيليون علنًا منذ بداية الحرب في غزة، بأكبر قدرٍ من الاهتمام في وقتٍ مبكر من هذا العام عندما قال الرئيس ترامب إنه ينبغي على الولايات المتحدة السيطرة على القطاع وإعادة تطويره كوجهة سياحية دولية مع نقل العديد من سكانه البالغ عددهم مليوني نسمة.
وقد انحسر هذا الاهتمام، لكن مؤيدي الفكرة ما زالوا يسعون جاهدين. وقد استطلع المسؤولون الإسرائيليون آراء نظرائهم في ست دول وأقاليم، بما في ذلك ليبيا وجنوب السودان وأرض الصومال وسوريا، بشأن استقبال الفلسطينيين الذين يوافقون على مغادرة غزة، وفقًا لأشخاص مطلعين على الأمر.
كما قال بعض الأشخاص إن إسرائيل والولايات المتحدة تضغطان على مصر لإعادة توطين سكان القطاع في شبه جزيرة سيناء، وقد قاومت مصر، هذه الفكرة بشدة، حدودها مع غزة تجعلها وجهةً جذابةً لوجستيًا، في نظر مؤيدي الفكرة.
وذكرت الصحيفة، إلى مقاومة مصرية قوية للضغوط الأمريكية الإسرائيلية لتهجير الفلسطينيين من غزة إلى سيناء، ونشوب مشادات كلامية بين المسؤولين المصريين والإسرائيليين جراء ذلك، أن الضغط على مصر أدى إلى عقد عدد من الاجتماعات المثيرة للجدل، والتي شهدت مشادات كلامية، حيث يرى مؤيدي فكرة التهجير أن حدود مصر مع قطاع غزة تجعلها وجهة جذابة لوجستيا.
وذكر التقرير، أن إعادة التوطين مسألة حساسة، شككت منظمات قانونية وجماعات إنسانية وبعض الحكومات في مدى طوعية عمليات الخروج، وحذرت بعض الجهات، من أن الفكرة قد تعادل التطهير العرقي.
وتشدد مصر بشكل متواصل على رفضها القاطع لتهجير الفلسطينيين إلى أراض مصرية أو أية وجهة أخرى، ووصفت الأمر بأنه "خط أحمر لن نقبل به تحت أي ظرف"، وفقا لتصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي.
فيما قال الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في يناير الماضي إن "تهجير الفلسطينيين ظلم لن نشارك فيه".
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، آنا كيلي: "لطالما دعا الرئيس ترامب إلى حلول مبتكرة لتحسين حياة الفلسطينيين، بما في ذلك السماح لهم بالاستقرار في مكان جديد وجميل بينما تُعاد إعمار غزة".
وأضافت: "مع ذلك، يجب على حماس أولاً أن توافق على نزع سلاحها وإنهاء هذه الحرب، وليس لدينا أي تفاصيل إضافية لنقدمها في الوقت الحالي".
تعاني معظم الوجهات قيد الدراسة من مشاكلها الخاصة مع الصراعات الأهلية والاضطرابات الاقتصادية، ومن المرجح أن تواجه صعوبات في استيعاب مئات الآلاف من المهاجرين. إلا أن ظروفها المتدهورة فتحت الباب أمام إبرام صفقات قد تمنح دعمًا اقتصاديًا أو مزايا أخرى مقابل استقبال الأشخاص الذين نُقلوا من غزة أو من أماكن أخرى.
رحّلت إدارة ترامب عددًا قليلًا من المهاجرين في الولايات المتحدة إلى جنوب السودان الشهر الماضي، وضغطت على عدد من الدول الأفريقية لاستقبال المرحلين الأمريكيين أيضًا.
وقال مسؤولون إن جنوب السودان حريص على إعادة ضبط العلاقات مع واشنطن، مما يسمح له باستقبال المزيد من المرحلين الأمريكيين والدخول في مناقشات مع إسرائيل بشأن قبول الفلسطينيين.
تُعد مسألة إعادة التوطين مسألة حساسة. وقد تساءلت المنظمات القانونية والمنظمات الإنسانية وبعض الحكومات عما إذا كانت عمليات المغادرة ستكون طوعية حقًا. حذرت بعض الجهات، بما في ذلك ماليزيا والأمم المتحدة ومنظمة هيومن رايتس ووتش، من أن الفكرة قد تُعادل التطهير العرقي.
وقالت وزارة خارجية جنوب السودان إن مزاعم إجراء مثل هذه المحادثات مع إسرائيل لا أساس لها من الصحة. وصرح ممثل عن حكومة أرض الصومال بأنه لا توجد محادثات جارية. ولم يستجب المسؤولون الليبيون والسوريون لطلبات التعليق.
وقال مسؤولون أمريكيون حاليون وسابقون إن الولايات المتحدة لم تشارك في المناقشات بين إسرائيل والدول الأفريقية بشأن إعادة توطين الفلسطينيين.
وفي البيت الأبيض في يوليو/تموز، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إن إسرائيل والولايات المتحدة تحاولان إيجاد منازل للفلسطينيين الذين يرغبون في مغادرة غزة.
وقال نتنياهو، بينما كان ترامب يجلس أمامه: "نحن نعمل مع الولايات المتحدة عن كثب لإيجاد دول تسعى إلى تحقيق ما قالته دائمًا - وهي أنها تريد منح الفلسطينيين مستقبلًا أفضل".
وكان المسؤولون الإسرائيليون قد دعوا إلى نقل الفلسطينيين من غزة قبل وقت طويل من طرح ترامب لفكرته بشأن "ريفييرا الشرق الأوسط". بعد أسبوع من الهجمات القاتلة التي قادتها حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، قدمت وزيرة الاستخبارات الإسرائيلية في ذلك الوقت، جيلا جمليل، إلى الحكومة خطة لتعزيز الهجرة من غزة بهدف دفع 1.7 مليون شخص إلى المغادرة، كما قالت في منشور على X في مايو/أيار.
وكان المؤيدين الأكثر حماسا لفكرة تهجير الفلسطينيين هم المسؤولون من اليمين المتطرف مثل وزير المالية بتسلئيل سموتريتش ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، الذين دفعوا بهذه الفكرة لسنوات.
ويُعد التهجير القسري جريمة بموجب اتفاقيات جنيف، التي تعد إسرائيل طرفا فيها، ولا يُسمح به إلا في ظروف ضيقة، مثل الإخلاء المؤقت لسلامة المدنيين أو الضرورة العسكرية، وقال خبراء قانونيون إسرائيليون ودوليون إن استيفاء هذه المعايير صعب، وأن بيئة غزة التي مزقتها الحرب تعقد الحجج القائلة بأن عمليات النقل ستكون طوعية.
إن الجهود المبذولة لتشجيع المغادرة تخلق معضلة للعديد من الفلسطينيين العالقين في القطاع، حيث يعاني القطاع من نقص في الغذاء. وقد نزح الكثيرون من منازلهم، وتضررت معظم المباني، وقُتل أكثر من 61 ألف شخص، وفقًا للسلطات الفلسطينية التي لم تُحدد عدد المقاتلين.
يرغب العديد من سكان غزة، وخاصة الشباب أو العائلات التي لديها أطفال أو أقارب يعانون من الأمراض، في المغادرة. لكن القرار يحمل الآن دلالات سياسية، بالإضافة إلى خطر عدم قدرتهم على العودة. تواجه المنظمات الإنسانية والحكومات الإقليمية التي قد ترغب في مساعدة الفلسطينيين على المغادرة معضلة مماثلة.
قالت تانيا هاري، المديرة التنفيذية لمنظمة غيشا، وهي منظمة إسرائيلية لحقوق الإنسان والقانون: "المشكلة هي أن إسرائيل بحاجة إلى ضمان قدرة الناس على العودة إذا رغبوا في ذلك ومتى رغبوا في ذلك". "إن مخططات الهجرة الطوعية هذه، أو غيرها من خطط ترحيل الأشخاص، لا علاقة لها بسلامة الفلسطينيين أو احتياجاتهم الإنسانية".
ومن بين فلسطينيي غزة الذين شملهم استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في مايو/أيار، قال 43% إنهم على استعداد للهجرة بعد الحرب.
وقال خليل الشقاقي، مدير المركز، إن الفئة السكانية الأكثر احتمالاً للمغادرة هي الشباب المتعلمون، مما قد يُسهم في هجرة العقول من غزة.
وأضاف: "من بين هذه المجموعة، واستناداً إلى استطلاعات رأي أجريت قبل الحرب، أعرب ما بين ثلثي وثلاثة أرباع المشاركين عن استعدادهم لمغادرة غزة والتوجه إلى أماكن أخرى لأسباب اقتصادية وأمنية". وأوضح أن الكثيرين أبدوا اهتماماً بالانتقال إلى أوروبا أو الولايات المتحدة أو كندا أو دول الخليج العربي أو تركيا.
