تعيش إسرائيل اليوم أعمق أزماتها السياسية منذ قيامها، إذ تتجسد أزمة نتنياهو في موافقته على وقف الحرب والانسحاب من قطاع غزة وفق خطة ترامب الأخيرة، التي حظيت بقبول حماس وترحيبٍ عربي ودولي وفلسطيني واسع.
هذه الموافقة لا تعبّر عن خطوة تكتيكية فحسب، بل عن انكسار سياسي ووجودي يُعلن عمليًا فشل المشروع الصهيوني في تحقيق أهدافه رغم ما ارتكبه من مجازر ودمار.
منذ البداية، لم تكن إسرائيل دولة طبيعية، بل مشروعًا استعماريًا غربيًا وكيانًا مفروضًا بالقوة على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه التاريخية.
أما اليوم، فقد تحولت إلى عبءٍ على حلفائها، بعدما تجاوزت كل حدود الأخلاق والقانون في عدوانها الأخير على غزة.
فالجرائم التي ارتكبتها، من قصف المستشفيات والمدارس والملاجئ المدنية، ومنع المساعدات، وتهجير السكان قسرًا، تشكل انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف الرابعة ونظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وتضع قادتها في مواجهةٍ محتومة مع العدالة الدولية.
سياسيًا، تدرك الولايات المتحدة نفسها أن استمرار الحرب لم يعد ممكنًا ولا مقبولًا أمام الرأي العام العالمي، لذلك، جاءت خطة ترامب الجديدة لتعيد تشكيل الموقف الأمريكي بما ينسجم مع التحولات الدولية الراهنة، خاصة بعد تزايد عزلة إسرائيل، وتصاعد الإدانات في المحافل الأممية، وظهور إجماع دولي متنامٍ على ضرورة إنهاء العدوان وبدء مرحلة سياسية جديدة.
في المقابل، يعيش الداخل الإسرائيلي حالة انقسام حاد غير مسبوق بين التيار الديني القومي المتطرف الذي يقوده نتنياهو، وبين النخب العلمانية والعسكرية التي ترى أن الحرب على غزة تحولت إلى مستنقع سياسي وأخلاقي، هذه الانقسامات تعكس أزمة هوية بنيوية باتت تهدد وجود الكيان نفسه أكثر من أي تهديد خارجي.
أما على الصعيد الفلسطيني، فإن القبول المبدئي بخطة وقف الحرب والانسحاب يفتح الباب أمام تحولٍ سياسي وقانوني نوعي، إذ يمكن أن يشكل منطلقًا لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني وتوحيد مؤسساته على أساس الشرعية الدولية ووحدة التمثيل، فالمرحلة القادمة يجب أن تُدار بوصفها فرصة تاريخية لإحياء مشروع الدولة الفلسطينية المستقلة ضمن حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الأمم المتحدة.
لكنّ هذا التحول لن يكتمل إلا بتوافر إرادة وطنية جامعة تنهي الانقسام وتعيد الثقة بالقيادة الموحدة، وبالتوازي مع التزام دولي فعلي يضمن تطبيق القانون الدولي ويوقف سياسة الإفلات من العقاب التي تمتعت بها إسرائيل لعقود.
إنّ الحرب على غزة لم تُسقط الأبراج والمستشفيات فحسب، بل أسقطت صورة إسرائيل في الوعي العالمي، وما بعد وقف الحرب لن يشبه ما قبلها، لأن الكيان الذي قام على العدوان والعنصرية لم يعد قادرًا على التعايش مع قواعد الشرعية الدولية أو قيم الإنسانية الحديثة.
إننا أمام لحظة تاريخية فاصلة: إسرائيل لن تعود كما كانت، وفلسطين لن تبقى كما كانت.
فالأولى فقدت شرعيتها الأخلاقية والسياسية، والثانية تستعيد حقها في الوجود والسيادة والكرامة. وهكذا، يُكتب على أرض غزة فصلٌ جديد من التاريخ: نهاية القوة الغاشمة وبداية زمن الحقّ الفلسطيني، و "من رحم الألم تولد الحرية"...!
لن تعودَ إسرائيل، ومن رحم الألم تولد الحُرية ..!
تاريخ النشر : 2025-10-05 11:32
