بيروت: شدد البابا ليون الرابع عشر يوم الثلاثاء، على أن الشرق الأوسط يحتاج الى "مقاربات جديدة" من أجل تخطي "عقلية الانتقام والعنف" وتجاوز الانقسامات السياسية والدينية، داعيا مسيحيي المشرق الى "التحلي بالشجاعة".
وفي كلمة ألقاها في ختام القداس الذي ترأسه في واجهة بيروت البحرية بحضور عشرات الآلاف من المصلين، قال البابا "يحتاج الشرق الأوسط إلى مقاربات جديدة لرفض عقلية الانتقام والعنف، وللتغلب على الانقسامات السياسية والاجتماعية والدينية، ولفتح فصول جديدة باسم المصالحة والسلام".
وأضاف "علينا أن نغيّر مسارنا، وأن ندرّب قلوبنا على السلام. ومن هذه الساحة، أصلي من أجل الشرق الأوسط ومن أجل جميع الشعوب التي تعاني بسبب الحرب"، مجدداً دعوته الى المجتمع الدولي "ألا يوفر جهداً من أجل تعزيز مسارات الحوار والمصالحة".
وطالب البابا السلطات السياسية في لبنان والدول التي تشهد نزاعات بالإصغاء إلى "صرخات شعوبكم الذين ينشدون السلام". وتابع "لنضع أنفسنا جميعاً في خدمة الحياة، والخير العام".
وتوجه الحبر الأعظم الى مسيحيي المشرق الذين تضاءلت اعدادهم تباعاً خلال العقدين الماضيين على وقع التوترات والنزاعات في المنطقة. وقال "كونوا فاعلي سلام، مبشّرين بالسلام وشهوداً" له.
وأضاف قائلاً "لكم يا مسيحيي المشرق، أبناء هذه الأرض بكل ما للكلمة من معنى، تحلوا بالشجاعة، فالكنيسة كلها تنظر اليكم بمحبة وإعجاب".
وفي ختام قداس ترأسه في الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية، قال بابا الفاتيكان إن لا خيار سوى السير في طريق واحد، يتمثل في "نزع السلاح من القلوب، وكسر دروع الانغلاق العرقي والسياسي، وفتح الانتماءات الدينية على اللقاءات المتبادلة، وإيقاظ حلم لبنان الموحد، حيث ينتصر السلام والعدل، ويعترف الجميع ببعضهم بعضا كإخوة وأخوات".
وتحدث عن الأزمات التي تعصف بالبلاد قائلا: "هذا الجمال يغشاه فقر وآلام وجراح أثرت في تاريخكم، وقد كنت قبل قليل أصلي في موقع انفجار المرفأ، الذي يختصر معاناة هذا الشعب في ظل أزمة اقتصادية خانقة وسياق سياسي غير مستقر، وعنف يعيد إحياء مخاوف قديمة".
وشهدت الواجهة البحرية لبيروت توافد عشرات الآلاف من المشاركين منذ ساعات الفجر الأولى، وسط إجراءات أمنية مشددة. وقالت السلطات إن عدد الحضور بلغ نحو 150 ألف شخص.
صلاة صامتة في مرفأ بيروت
قبل التوجه إلى القداس، أقام البابا صلاة صامتة أمام النصب التذكاري لضحايا انفجار مرفأ بيروت، الذي أودى بحياة أكثر من 220 شخصاً عام 2020.
وصافح عدداً من أهالي الضحايا، بينهم طفل صغير حمل صورة والده.
واختتم البابا زيارته إلى لبنان بتوجيه دعوة صريحة إلى جميع اللبنانيين لتوحيد الجهود من أجل استعادة بهاء وطنهم، قائلاً: "يجب أن يقوم كل واحد بدوره، وعلينا جميعا أن نعمل من أجل أن يبقى لبنان أرضا للسلام والعدل والتلاقي بين الأديان".
عون يشكر
أكد الرئيس اللبناني جوزيف عون أن زيارة البابا حملت رسالة مصالحة، مشددا على أن لبنان ما زال نموذجا للعيش المشترك والقيم الإنسانية، معبرا عن تقديره لمحبة البابا للبنان وشعبه.
قال عون خلال مغادرة البابا ليوم الرابع عشر من مطار رفيق الحريري الدولي: "صاحبَ القداسة نلتقي اليوم في ختام زيارة ستبقى محفورة في ذاكرة لبنان وشعبه. فخلال الأيام الماضية، حملتم إلى لبنان كلمات رجاء و أمل، وجلتم بين مناطقه، والتقيتم بشعبه الذي استقبلكم بكافة طوائفه وإنتماءته بمحبةٍ كبيرة تعكس توقه الدائم للسلام والاستقرار".
وتوجه إلى البابا قائلا: "لقد جئتم إلى لبنان حاملين رسالة سلام، وداعين إلى المصالحة، ومؤكّدين أن هذا الوطن الصغير في مساحته، الكبير برسالته، ما زال يشكّل نموذجًا للعيش المشترك وللقيم الإنسانية التي تجمع ولا تفرّق. وفي كلماتكم، وفي لقاءاتكم مع أبناء هذا البلد، لمسنا عمق محبتكم للبنان وشعبه، وصدق رغبتكم في أن يبقى وطن الرسالة، وطن الحوار، وطن الانفتاح، وطن الحرية لكل انسان والكرامة لكل إنسان فشكرا لكم يا صاحبَ القداسة، لأنكم استمعتم إلينا".
وتوجه بالشكر إلى البابا قائلا: "شكرا لأنكم استودعتم لبنانَ رسالةَ السلام. وأنا بدوري أقولُ لكم بأننا سمعنا رسالتكم. وأننا سنستمر في تجسيدها، ومع شكرنا، تظل لنا أمنية يا صاحب القداسة وهي أن نكون دائما في صلواتِكم، وأن تتضمن عظاتكم لكل مؤمن ومسؤول في هذا العالم التأكيد على أن شعبَنا شعب مؤمن يرفض الموت والرحيل، شعب مؤمن قرر الصمود بالمحبة والسلام والحق. شعب مؤمن يستحق الحياة وتليق به.
وأضاف: "وإذ نودّعكم، لا نودع ضيفا كريما فحسب، بل نودع أبا حمل إلينا طمأنينة وذكرنا بأن العالم لم ينسَ لبنان، وأن هناك من يصلّي لأجله ويعمل من أجل السلام عشتم يا صاحبَ القداسة عاش السلام وعاشَ لبنان".
