من خلف الشاشات تبدو الحرب والمعاناة أسهل
تاريخ النشر : 2025-12-24 17:01

من خلف الشاشات تبدو الحرب والمعاناة أسهل،
ويبدو الحصار أخفّ، والجوع مجرد صورة، والبرد خبرًا عابرًا. تُشاهَد المأساة بدقة عالية، ثم تُغلق الشاشة… وكأن الألم يتوقف معها.

ما أسهل الحرب على المتفرجين، وما أسهل الحصار والجوع والبرد على المتابعين.
فمن لا يعيش الخوف لا يشعر بثقله، ومن لم يذق الجوع لا يفهم قسوته، ومن لم ينم في خيمة لا يعرف معنى أن يكون البرد أقوى من الجسد.

في غزة، لا توجد رفاهية المتابعة من بعيد.
هناك، لا يمكن إيقاف الحرب، ولا تجاوز الحصار، ولا الهروب من الجوع.
الأطفال لا يملكون خيار تجاهل البرد، والأمهات لا يملكن زر تخطي الألم، والنازحون لا يملكون سوى الصبر في مواجهة واقعٍ لا يرحم.

من خلف الشاشات، يسهل التحليل، ويسهل إصدار الأحكام، ويسهل طلب الصمود.
لكن من داخل الخيام، الصمود معركة يومية، تبدأ مع الفجر ولا تنتهي مع الليل.
هناك تُقاس الأيام بعدد الوجبات، والليالي بعدد ساعات الدفء، والأحلام بفرصة نجاة.

الأخطر من الحرب ذاتها هو الاعتياد عليها.
أن تصبح صور الجوع مألوفة، ووجوه الأطفال المنهكة جزءًا من المشهد اليومي، وأن يتحول الألم إلى محتوى يُشارك ثم يُنسى.
حينها لا تُستنزف الأجساد وحدها، بل تُستنزف معها إنسانيتنا.

هذا المقال ليس عتابًا، بل تذكير.
تذكير بأن ما يُشاهَد من خلف الشاشات هو حياة كاملة تُسحق في الواقع، وبأن التعاطف الصامت لا يوقف بردًا ولا يُشبع جائعًا ولا يحمي طفلًا.

من خلف الشاشات تبدو الحرب والمعاناة أسهل…
أما في الميدان، فهي وجعٌ يومي لا يعرف الإيقاف.