سأكذب… بعد واحدٍ وعشرين يومًا من عامنا الجديد
تاريخ النشر : 2026-01-21 17:32

أيّ عامٍ جديدٍ هذا الذي أعترف باقتحامه حياتي الخالية من أي نبض للحياة؟
حياةٌ أُبيدت في خيمةٍ بلا باب، حتى خصوصية أن أسرح بخيالي، وأن أكذب على نفسي بأني أعيشه، أصبحت مستحيلة.
أكذب… نعم، قلت أكذب؛ لأن الخيال ذاته صار ضربًا من ضروب المستحيل أن يكون صافيًا. خيالٌ مشوَّه.
أأتخيل الجنة وصوت العصافير؟ كيف، وأنا في بقعة تلوّث، تجري حولي الفئران، وتقتحم خصوصية استلقائي للتخيل، فتقرض ما تبقّى من حروفٍ كتبتُها يوم كنت أعيش؟
يومٌ بهت في ذاكرتي، لأن اللاحياة أكلت آخر معالمه، وطغت على حروفه.
يومٌ كان لي فيه مرآة أقف أمامها وأقول: كم جميلة ابتسامتي، كم جميل وجهي بلا شحوب، وكل ما يرتسم على ملامحه الأمل والحلم والشروق.
اليوم أصبحت ابتسامتي شاحبة، أتصنّعها حتى لا أُرهق من حولي، فيظنون أني بكامل الرضا، فأُزيل عبء تفكيرهم بحزني وعنائي.
فاللاحياة أصبحت مصيري ومصيرهم، ولا فائدة من تنغيصهم بقنوطي الذي أجبرتني عليه حربٌ أرعبها حبي للحياة، وسعادتي كطائرٍ يرفرف أعلى السماء.
لم أجد ما أكتبه منذ بدء العام، أو بالأصح خفت من الكذب وأنا أكتب: عامٌ سعيد يطلّ علينا.
واكتفيت بوضع صور من أحبهم، وشكرت الله على وجودهم في حياتي؛ لأنهم ما أبقاني متماسكة.
منذ بدء العام وأنا أبكي.
إلى أن صادفت جارتي في المخيم تنظف آنيةً صغيرة، لا تهدر ماءً كثيرًا.
ظنّت أني أمازحها حين قلت لها: «يا جارتي، لا تنظفي من البرميل، والموتور لا يزال يغدق علينا ماءه، نظفي من الخرطوم مباشرة، وحين ينطفئ استخدمي البرميل».
اعترضت على كلامي بحجة صِغر آنِيَتها، فزِدتُ أني أفعل ذلك بنفسي.
استغربتُ اعتراضها وسألتها: لماذا؟
فأخبرتني: لا… لكنها كانت تنتظر أي أحدٍ ليكلّمها، فقط لتذرف دموعها.

اقتربتُ منها وسألتها عن السبب:
أهو قلة العمل والمال؟
أم حياتنا الروتينية التي لا تتجدد إلا بيومٍ يخلو من الغسيل على أيدينا، فينقذنا منه يومٌ ماطرٌ عاصف، يخلع خيامنا، ليحلّ مكانه نزحُ المياه منها؟
أم تنظيف الأواني التي تمتزج برمل المطر المتسخ ببول الفئران، تلك التي افترست النازحين بفيروسٍ لا يتوفر علاجه في المستشفيات ولا الصيدليات، بينما تتوفر الشوكولاتة والكولا على بسطات الشوارع؟
والجوالات ذات الأسعار المرتفعة في محلات الهواتف، التي لا يقدر على شرائها إلا لصوص لقمتنا؛ أولئك الذين أجاعونا ثلاثة أعوام، وجعلوا شبابنا يموتون في طوابير الموت للحصول على حفنة دقيق، تُلقى اليوم على البسطات بسعرٍ جعل أرواحهم باخسة، ومعاناتهم أبخس في نظر العالم كله.
ابتعدتُ عن جارتي، وعدّدتُ لها كل ما قد يُبكيها.
وقبل أن تعترف ببكائها، منحتُها وصفتي للتخلص من الضغط اليومي: أن تتذكر شيئًا محزنًا يُبكيها، ويحرر روحها مما يقبضها.
فباغتتني وهمست بحزن:«كل يومي، منذ بدايته، كان بكاءً».
صحيح…لماذا ننبش مقبرة الذكريات، ونبحث فيها عن لائحة حزن من أعوام فرح كانت تغمرنا، قبل أعوام اللاحياة الثلاثة المستمرة التي ألقتنا حربٌ ظالمة في نارها؟
كل شيءٍ حولنا اليوم يحزننا بسهولة، وبلفتة عين.
حتى صوت بائع خبز الفينو، الذي يصرخ كل صباح، يذكرني بالاستغلال: لماذا قطعة فينو صغيرة بشيكل، بينما الدقيق يُباع بثمن بخس، وكذلك كل مكوناتها؟
وهذا مثال واحد فقط… فكيف ببقية الأشياء؟
مازحتُ جارتي، التي لا ينسجم اسمها مع ملامح وجهها الحزينة، وقلت:
«هانت يا نغم، سيمنحوننا قريبًا خيام الفايبر جلاس، وسننعم بترتيب حياتنا».
وأتبعتها بضحكةٍ هستيرية، أخرجت ثِقَل حزنٍ مدفون في قلبي، يجعلني أبكي بصمت حتى وأنا واقفة معها.
خيبةٌ أخرى… لكن هذه المرة مصنوعة من الفايبر جلاس.
يتفننون في المادة التي يصنعون منها خيباتنا يا نغم.
هي أهون من خيبتنا التي تسكننا الآن، والتي تحتلها الفئران، بذنب اقتحامنا لأماكن سكناها.

تطورت مادة خيبتنا يا نغم، لكن حتى داخل خيبتنا المتطورة لن ننعم بالراحة.
مطبخك، ودورة مياهك، وبرميل المياه، ستظل رهن الإبعاد.
وستبقى أذهان النساء معلّقة وهن مسترخيات:
هل داس قط أو كلب أطباقي؟

بالتقسيط يصنعون لنا ما يشبه الحياة، ونسوا أننا شُردنا من بيوتٍ كانت تملك كل وسائلها.
حتى بذخ البكاء سُرق منا.
اليوم نبكي ودموعنا تتحشرج في مقلنا؛ لكثرة الأسباب، ولقلة الوقت حتى لمسحها.
سواد الحطب يلتصق بأعيننا، فنهرول إلى برميل المياه، نغسل أيدينا، نخرج من جديد، مع تمتمات إرشادية للحفاظ على الماء، وسيل كلماتٍ يفتح جروحًا سكنت وبهتت، وصارت لوحةً هي ملامحنا الحقيقية.

يخاطبوننا بالأمل، ونحن نخشى استخدام غاز الطهي، لنوفّره لسحور رمضان، حتى لا نصوم بلا سحور.
فإشعال نار الحطب فجرًا سيشعل حزننا وغضبنا النائم في قلوبنا، الذي هدّته دموعنا وحجزناه في مقلنا.

ابكي يا نغم.
لا أكذب عليكِ: بكاؤنا أصدق ما في عامنا الجديد.
واكذبي على نفسك، وتمادي في الكذب، أنكِ تعيشين.
ليس أملًا… لكن قد تُصدّق روحك يومًا أنها تعيش، من شدّة الكذب.

هكذا قرأتُ لأحلام مستغانمي يومًا في رواية «شهياً كفراق»، يوم كانت روحي تبحث عن وصفٍ لفراقي عن كل ما أحب في هذه الحرب، بشرًا وأشياء.
علينا أن نكذب… لنحمي ما تبقّى صادقًا في حياتنا يا نغم.

اخترعي حيوات، واكذبي على نفسك، أقنعي روحك، وصدّقي أنها حياتك.
اصنعي الصدق من كذبك على روحك.

هذه طريقتي…
وسأبدأ بتطبيقها بعد واحدٍ وعشرين يومًا من عامنا الجديد.