غزة - شيماء أبو سعدة: تواجه المرأة الفلسطينية منذ عقود سلسلة متواصلة من التمييز والعنف المنهجي من قبل الاحتلال الإسرائيلي وحرمانها من أبسط حقوقها، بلغت ذروتها منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول لعام 2023، حيث تصاعدت هذه الانتهاكات لتأخذ أشكالًا أكثر قسوة ودموية، سقطت آلاف النساء ضحايا لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، في سياق يرقى إلى الإبادة الجماعية.
النساء هنا لسن مجرد أرقام، بل هنّ ناشطات وصحفيات، وممرضات، وعاملات إغاثة، وربات منزل ، تُقاسي النساء والفتيات في غزة ظروفًا تتجاوز حدود الكارثة، إذ يواجهن خطرًا مزدوجًا: نقصًا حادًا في الغذاء والماء ومواد النظافة وانعدام الخصوصية، لا سيما في أماكن النزوح، في حين تُهدّد العمليات العسكرية حياتهنّ بشكل دائم ومستمر، ما يجعل حياتهن معلّقة في مساحة بين الجوع والموت.
في قطاع غزة، حيث تحاصر رائحة الموت تفاصيل الحياة اليومية، تُترك النساء في قلب العاصفة يواجهن واقعًا لا يُطاق. فقد باتت الخيام مأواهن الوحيد بعد تهدم المنازل والتشريد والنزوح القسري، لكنها لا توفر لهن الحد الأدنى من الشعور بالأمان أو الخصوصية التي تحفظ كرامتهن.
انعدام الخصوصية..
فُقدت "الخصوصية" تمامًا من حياة النساء والفتيات في غزة، كما لو أن معناها قد شُطب من القاموس خلال هذه الإبادة الجماعية، فقد باتت حلمًا مستحيلًا في حياة عشرات الآلاف من النساء.
نسبة كبيرة من نساء غزة اليوم يعشن في خيام أو غرف إيواء مشتركة، حيث تضم كل خيمة أو غرفة ما لا يقل عن سبعة أفراد، لتغيير ملابسها فقط، تُجبر المرأة على مطالبة الجميع بالخروج، وتحرم من أبسط حق في مساحة آمنة لجسدها.
أسماء ناجي، أم لطفلتين، تقول بصوتٍ تخنقه الحسرة: "أين حقي كامرأة فلسطينية؟ أين حقي في الأمومة؟ لا أملك مساحة خاصة حتى أرضع طفلتي. أنتظر خروج كل من في الخيمة كي أتمكن من إرضاعها، وأفعل ذلك خلسة، بخجل وكأنها جريمة." هي لا تطالب بالكثير، فقط بحقها في أمومة كريمة لا تنتهك.
أما استخدام دورات المياه، فيتحول إلى معاناة يومية؛ إذ تنتظر النساء في طوابير قد تمتد لأكثر من 30 دقيقة، فقط من أجل دخول مرافق تفتقر إلى النظافة، وغير مهيأة للاستخدام الآدمي .
تهاني زقوت، تعبّر عن شعور دائم بالاختناق داخل الخيمة التي تُفترض أن تكون مأوى، لكنها لا تمنحها أي قدر من الخصوصية أو الراحة.
تقول: "لا مكان مخصص لي كامرأة، حتى أبسط الأمور مثل تغيير ملابسي تُحوَّل إلى لحظة انتظار طويلة حتى ينام الجميع أو ينشغلوا، أي خصوصية هذه؟ أي شعور بالأمان يمكن أن أعيشه في هذا المكان؟"
المرأة هنا لا تملك حتى زاوية تنتمي إليها، حيث يتحول الجسد إلى عبء إضافي وسط النزوح القسري.
جحيم الخيام والبلوغ ..
الأصعب من ذلك ما تواجهه النساء والفتيات خلال فترات الحيض، حيث تحتاج المرأة إلى دخول الحمام ما لا يقل عن خمس مرات يوميًا، وسط انعدام تام للمستلزمات الصحية، وفي قلب هذه المأساة، تقف الفتيات المراهقات اللواتي يعشن تجارب البلوغ لأول مرة في ظروف قاسية، دون خصوصية، ودون رعاية، ودون حتى أدنى إحساس بالأمان.
وتشاركنا إحدى الأمهات تجربتها المؤلمة مع ابنتها المراهقة التي بلغت للمرة الأولى وسط الخيام:
"جاءتني ابنتي مرتبكة وخائفة، لم أعرف كيف أشرح لها ما تمر به، انتظرنا نصف ساعة أمام الحمام حتى تتمكن من تغيير ملابسها، لم يكن لدي سوى الصمت والحيرة."
تقول فتاة مراهقة، بلغت لأول مرة وسط خيام النزوح:
"لم أكن أعرف ما يحدث لي، ذهبت إلى أمي وأنا أبكي، لم تستطع أن تشرح لي كثيرًا، كل شيء كان محرجًا ومؤلمًا، لا وقت، لا خصوصية، لا مكان يخصني."
ثم تضيف بصوت مكسور: "أحتاج للدخول إلى الحمام أكثر من خمس مرات في اليوم، لكن الانتظار الطويل والإحساس بأن الجميع يراقبني يجعلني أختنق، أشعر أني غير مرئية، كل هذا الضغط كسر نفسيتي."
في مكان يُفترض أن يمنح الأمان، تعيش هذه الفتاة أول تجربة في جسدها كامرأة وسط ازدحام وقهر وغيابٍ تام لأي خصوصية. تجربة البلوغ التي من المفترض أن ترافقها أمها بلطف وطمأنينة، تحولت إلى لحظة خوف وعجز، تؤكد أن النزوح لا يسرق فقط البيوت، بل يسلب الفتيات أبسط حقوقهن في الأمان والاحتواء.
هذه ليست حكايات فردية، بل واقع يعيشه ما لا يقل عن مليون امرأة نازحة في قطاع غزة، حيث أصبحت الخصوصية ترفًا مفقودًا، وكانت المرأة مرة أخرى الضحية الأكبر في مشهد لا إنساني يتكرر كل يوم.
مخاطر الصحة النفسية والجسدية..
تتحمل النساء أعباء مضاعفة لتأمين لقمة العيش ورعاية الأطفال والمرضى، وسط شحّ الغذاء والماء وانهيار شبه كامل للخدمات الصحية، يقمن برعاية أسرهن في بيئة تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، محاطات بعوامل الخطر من كل جانب، لا تقيهن الخيام من حر الصيف أو برد الشتاء، ولا تضمن لهن أبسط مقومات الراحة أو الرعاية، ومع استمرار غياب الدعم والرعاية الصحية، تتفاقم معاناتهن الجسدية والنفسية، لتصبح كل لحظة تمرّ معركة من أجل البقاء.
الحاجة حنان محمد، تكشف جانبًا آخر من هذا الجحيم اليومي: "لا كهرباء، ولا ماء كافٍ للغسيل أو الجلي، أتنقل بين تعب الجسد وتعب الروح، حتى تحضير الطعام صار مرهقًا، كل شيء على النار، وكل شيء بجهد مضاعف، المعاناة لا تنتهي."
في ظل الانقطاع التام للمستلزمات الصحية وارتفاع أسعارها بشكل يفوق قدرة الغالبية على الشراء، ومنع إسرائيل منذ 7 مارس إدخال أية مساعدات من المنظمات الأممية ، اضطرت العديد من النساء والفتيات في قطاع غزة إلى اللجوء لاستخدام وسائل بديلة كحبوب منع الحمل لتأخير الدورة الشهرية، أو استخدام شرائط قماش عادية بدلًا من الفوط الصحية. هذه البدائل، التي فرضها واقع الحصار والنزوح، لا تخلو من آثار صحية خطيرة؛ فالاستخدام غير المنتظم لحبوب منع الحمل، دون إشراف طبي، يسبب اضطرابات هرمونية، وزيادة في احتمالات الجلطات، وتغيرات مزاجية حادة، أما استخدام الشرائط القماشية في بيئة تفتقر للنظافة والمياه، فيعرض النساء لمخاطر العدوى، والالتهابات المهبلية، ومضاعفات صحية قد تكون خطيرة في غياب الرعاية الطبية.
وراء كل هذه التفاصيل الجسدية، هناك أثر نفسي عميق؛ إذ تعيش النساء في قلق دائم من تسرب الدم، أو الروائح، أو النظرات، وسط بيئة تخلو من أدنى درجات الخصوصية والكرامة، ما يضاعف شعورهن بالانتهاك، ويعمّق الصدمة التي خلّفتها الحرب في أجسادهن وأرواحهن.
ضغوط نفسية خلف الجدران المفتوحة..
قال الدكتور ضياء أبو عون، أخصائي الصحة النفسية، إن فقدان الخصوصية في أماكن النزوح يولّد شعورًا مستمرًا بانتهاك الحدود الشخصية، ما يؤدي إلى حالة من التوتر والضغط النفسي المزمن لدى النساء والفتيات، وأوضح أن "المرأة التي لا تجد لنفسها مساحة آمنة تنخفض قدرتها على الاسترخاء والشعور بالسيطرة على حياتها، ما قد يُضعف شعورها بالأمان الداخلي ويزيد من أعراض القلق والاكتئاب"، مشيرًا إلى أن هذا الوضع قد يفاقم مشاعر العجز وانعدام الكرامة، خصوصًا في ظل غياب مقومات الحياة الكريمة.
وفيما يتعلق بتأثير غياب المساحة الشخصية على الفتيات في مرحلة البلوغ، أشار الدكتور أبو عون إلى أن هذه المرحلة تُعد فترة حرجة من النمو النفسي والجسدي، تحتاج فيها الفتاة إلى مساحة خاصة لفهم التغيرات التي تمر بها والتعامل معها بأمان وخصوصية.
وقال: "عندما تغيب هذه المساحة، تشعر الفتاة بالحرج والارتباك، وربما بالخجل من جسدها"، لافتًا إلى أنها قد تفقد القدرة على التعبير عن احتياجاتها أو طرح أسئلتها، ما يؤثر على نموها النفسي الصحي وثقتها بنفسها، وأضاف أن هذا النقص في الخصوصية قد يدفع الفتاة إلى الانطواء أو العدوانية، أو يجعلها عرضة للمضايقات أو الانتهاكات دون أن تملك أدوات الحماية أو التعبير.
وفي ما يخص المشكلات النفسية التي قد تظهر لدى الفتيات نتيجة هذا الواقع، عدّد الدكتور أبو عون عددًا من الأعراض، أبرزها القلق والخجل المفرط من التغيرات الجسدية، انخفاض احترام الذات والشعور بالنقص أو القبح، اضطرابات النوم، الانسحاب الاجتماعي، وتشتت الانتباه.
كما حذّر من خطر الصدمات النفسية في حال تعرّضت الفتاة لانتهاك أو تحرش دون حماية أو دعم، مؤكدًا أن غياب الخصوصية لا يؤثر فقط على الفتاة في لحظتها، بل يترك آثارًا بعيدة المدى على صورتها الذاتية وتطورها العاطفي والاجتماعي.
في زحام النزوح، لا تُسلب النساء والفتيات فقط مساحتهن الخاصة، بل يُنتزع منهن حق أساسي في الشعور بالأمان والكرامة، إنها خسارة صامتة، لكنها تترك ندوبًا نفسية لا تقل قسوة عن آثار الحرب نفسها.
إحصائيات صادمة..
ووفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإنه منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ما زالت المرأة الفلسطينية تواجه تحديات جسيمة للتعافي واستعادة الحياة الطبيعية.
نزح مليوني نسمة بينهن نحو مليون امرأة وفتاة، وهناك ما لا يقل عن 13 آلاف امرأة أصبحن أرامل ويحاولن إعالة أسرهن، في ظل عدم توفر أماكن آمنة للناجيات بالقدر الكافي.
فقد شكلت النساء والأطفال 70% من ضحايا حرب الإبادة الجماعية، وبحلول نهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، بلغ عدد الشهداء في قطاع غزة 70,942 شهيداً، بينهم 18,592 طفلاً ونحو 12,400 امرأة.
وتشكل النساء والأطفال ما نسبته 69% من إجمالي الجرحى، كما أن 70% من المفقودين في قطاع غزة هم من النساء والأطفال، حيث بلغ عددهم 14,222 مفقوداً.
ولا تتوقف معاناة النساء في غزة عند انعدام الخصوصية أو النزوح القسري، بل تمتد لتشمل أبعادًا صحية واقتصادية واجتماعية أكثر قسوة. فالنساء الحوامل والمرضعات يواجهن خطر سوء التغذية وانعدام الرعاية الصحية اللازمة، في وقت لا تستطيع فيه النساء الأكبر سنًا الوصول إلى مراكز توزيع الغذاء بسبب ضعف الحالة الجسدية أو انعدام المواصلات.
وسط هذا الواقع، تتحمل النساء عبئًا مضاعفًا في تأمين الغذاء ورعاية الأبناء، في ظل انهيار الاقتصاد المحلي واستمرار الحصار، ومع فقدان آلاف الأسر لمعيلها، تجد كثير من النساء أنفسهن مضطرات لتولي أدوار غير معتادة: معيلات، ومعالجات نفسيات، وحاميات للأطفال تحت القصف وبين الركام.
هذه المعاناة ليست "أضرارًا جانبية للحرب"، بل نتيجة مباشرة لسياسة ممنهجة تستهدف الحياة الفلسطينية بكل أشكالها، وفي غياب المساءلة والعدالة، تُترك النساء الفلسطينيات يواجهن وحدهن تبعات جريمة لا تزال مستمرة، جريمة لا تسلب الأرض فقط، بل تسلب المرأة حقها في الخصوصية، والصحة، والكرامة.
ووفقًا لبيانات صادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، استشهدت 8,150 أمًّا، في واحدة من أقسى موجات الاستهداف للنساء في تاريخ الحروب على غزة، وأشار التقرير إلى وجود أكثر من 16,646 أرملة حرب فقدن أزواجهن خلال هذه الحرب، فيما تم تسجيل أكثر من 3,500 حالة إجهاض بين النساء الحوامل، نتيجة نقص العناصر الغذائية الأساسية والرعاية الصحية في ظل الحصار والانهيار التام للمنظومة الصحية.
