تشير، وتؤكد العديد من الدراسات الموثقة، إلى أن أغلبية المجتمعات الأوروبية، في شرقها وغربها، قد شهدت ممارسات تمييزية وعنصرية ضد الجماعات اليهودية التي ولدت وعاشت فيها، على مدى قرون، خاصة في القرن التاسع عشر، وحتى نهاية النصف الأول من القرن العشرين.
وقد أسهمت حكومات أوروبية في مساعدة هذه الجماعات على الهجرة إلى فلسطين التاريخية، بدوافع مختلفة، من بينها: التخلص من هذه الجماعات البشرية، أو اقتناعاً بالتأويل اللاهوتي لدى الجماعات «الإنجيلية الألفية»، الذي يقضي بالربط بين تعجيل «عودة المسيح الثانية»، ومساعدة الجماعات اليهودية للتجمع في فلسطين، أو تعاطفاً مع محنة الجماعات اليهودية في أوروبا، وتقديم ملجأ للمهاجرين اليهود في فلسطين، أو نتيجة التقاء المصالح بين الحركة الصهيونية السياسية من جهة، والقوى الاستعمارية آنذاك، بريطانيا وفرنسا، وفي إطار «وعد بلفور» واتفاقية «سايكس - بيكو»، من جهة أخرى.
ومع تطور الأحداث، في أوروبا وشرقي المتوسط، تغيّر المجال الدلالي للمصطلح، واتسع، خاصة بعد قيام إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحدة، وفقاً لقرار التقسيم في نوفمبر 1947، حيث مُنحت الجماعات اليهودية أكثر من 56 في المئة من الأرض، وخصص للدولة العربية - الفلسطينية نحو 43 في المئة، واعتبار القدس كياناً ذا استقلال ذاتي بإدارة الأمم المتحدة.
ظلَّت التراجيديا الفلسطينية، بأبعادها التاريخية والحقوقية والإنسانية، عالقة منذ ذلك الوقت حتى اليوم بين أسنان «مجانين» السياسة، أصحاب العقل الإسبرطي، و«مجانين» الأساطير اللاهوتية، فضلاً عن مآزق النخب الفلسطينية والعربية المتواصلة.
إن «معاداة اليهودية» تعصب ديني مرفوض، مثله مثل معاداة المسيحية أو الإسلام، أو غيرها من المعتقدات، في حين أن معاداة «الصهيونية السياسية» كحركة عنصرية مثلها كمثل معاداة كل حركات الإرهاب والتمييز والاستعمار والعنصرية والكراهية.
في العقود الأخيرة تكرست ظاهرة «معاداة السامية» في الخطاب التقليدي الثقافي الغربي، واتخذت شكلاً عصابياً، حتى بات كل انتقاد لسياسات أو ممارسات دولة إسرائيل، مهما كان النقد هامشياً، هو «عداء للساميّة» وأي موقف مناهض للسياسات العنصرية والإبادة والتوسع والاستيطان، وأي خطاب يعترف بالفلسطيني كشعب وحقوق ووطن ودولة وتقرير مصير، هو «عداء للساميّة» ما يُعطي السامِيّة تعريفاً جديداً يدفع باتجاه مسارات دينية خطرة، فضلاً عن كونه ابتزازاً فكرياً صريحاً.
وقد سمعنا مؤخراً الرئيس الأمريكي ترامب وهو يتهم الكونجرس الأمريكي بمعاداة الساميّة في خطابه يوم 16 ديسمبر الماضي، في احتفالية عيد «الحانوكاه».
كما اُتهم نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس بمعاداة الساميّة حينما نشر تغريدة حول «قيام النازيين الألمان بقتل ملايين البشر» فهاجمه الإعلام الصهيوني لأنه نسي ذكر الضحايا اليهود.
وأخشى أن يصل الأمر إلى وصف الذين ينتقدون سياسات إسرائيل الخارجة على القوانين الدولية وشرعة حقوق الإنسان، وحق تقرير المصير، ليس فقط بكارهين للسامية، بل معادين لقيم الحرية والديمقراطية، فضلاً عن «الذات الإلهية».
إن «صراع الكراهيات» هو الوجه الآخر ل «صراع الحضارات».
أنا أُحب الساميّة (2)
تاريخ النشر : 2026-03-13 13:26
