الكيل بمكيالين: ازدواجية المعايير في النظام الدولي بين الخطاب والممارسة
تاريخ النشر : 2026-03-21 15:22

قرصان الإسكندر وسؤال الازدواجية الأخلاقية

في كتابه "قراصنة وأباطرة،الإرهاب الدولي في العالم الحقيقي"، يروي المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي قصة ذات دلالة عميقة، "وقع قرصان أسير لدى الإسكندر الأكبر فسأله،كيف تجرؤ على إزعاج البحر، كيف تجرؤ على إزعاج العالم بأسره، أجاب القرصان لأنني أفعل ذلك بسفينة صغيرة فأدعى لصاً، وأنت الذي تفعل ذلك بأسطول ضخم تدعى إمبراطوراً" .

هذه المقولة التي تعود إلى أكثر من ألفي عام، تختزل بإيجاز مدهش إشكالية لا تزال تطارد النظام الدولي حتى اليوم، ازدواجية المعايير، حيث يُحاكم الفعل ذاته وفقاً لفاعله، لا وفقاً لطبيعته، فما يعتبر جريمة حين يرتكبه الضعيف، يتحول إلى "حق مشروع" أو "ضرورة استراتيجية" حين يرتكبه القوي والدول الكبرى .

البيان الذي أصدرته كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وهولندا واليابان في مارس/2026، يدعو إيران إلى "الكف فوراً عن تهديداتها وهجماتها"، دون أي إشارة إلى العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، يشكل نموذجاً صارخاً لهذه الازدواجية ، ونحن مع وقف العدوان السافر على دول الخليج ومع وقف العدوان الامريكي-الاسرائيلي على ايران. هذا المقال يسعى إلى تحليل هذه الظاهرة، وتجلياتها في السياسة الدولية، وانعكاساتها على النظام العالمي.

الإشكالية الرئيسية

كيف نفسر ازدواجية المعايير في المواقف الدولية تجاه الصراعات، حيث يُطالب طرف بوقف "عدوانه" بينما يُمنح طرف آخر غطاءً لعدوانه؛ وما جذور هذه الظاهرة في بنية النظام الدولي؛ وما انعكاساتها على مصداقية القانون الدولي ومؤسسات الحوكمة العالمية؛ وكيف يمكن مواجهة هذه الازدواجية لبناء نظام دولي أكثر عدالة.

هذه التساؤلات تشكل المحاور الأساسية التي ستعالجها هذه الورقة، سعياً للإجابة عنها عبر تحليل سياسي وقانوني متواضع يتجلى في المحاور التالية:

المحور الأول: بيان الدول الست - قراءة في الانتقائية الأخلاقية

في تطور لافت، أصدرت ست دول كبرى (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، واليابان) بياناً مشتركاً تدعو فيه إيران إلى "الكف فوراً عن تهديداتها وهجماتها"على دول الخليج. هذا البيان، الذي صدر في ذروة التصعيد الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران، أثار تساؤلات حادة حول الانتقائية في الخطاب الغربي.

1.1 ماذا يقول البيان.

البيان، الذي وصفته مصادر دبلوماسية بأنه "خطوة تصعيدية" في الضغط على إيران، يدعو طهران إلى:

-وقف ما وصفها "بالتهديدات" لأمن المنطقة.
-الكف عن "الهجمات" التي تستهدف مصالح غربية وإسرائيلية.
-الامتثال للقرارات الدولية المتعلقة ببرنامجها النووي.

1.2 البيان يتجاهل العدوان على ايران.

ربما الأمر الأكثر دلالة من ما ورد في البيان،هو ما لم يرد فيه، حيث لا إشارة إلى العدوان الإسرائيلي الأمريكي على إيران، ولا يوجد كلمة عن الضربات العسكرية الأمريكية-الاسرائيلية التي تستهدف الأراضي الإيرانية، ولايوجد إدانة لاغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، ولم يذكر الانتهاكات المتكررة للسيادة الإيرانية، ولا سؤال عن مدى الشرعية الدولية لهذه الهجمات التي تتم دون قرار من مجلس الأمن، والتي تعبر عدوان على ايران.

1.3 السياق المزدوج

البيان يصدر في سياق دولي يسمح لإسرائيل، المدعومة أمريكياً، بشن هجمات على إيران، بينما يُطلب من إيران "ضبط النفس" و"عدم الرد". هذا السياق يعكس بوضوح ما أشار إليه (تشومسكي) في مقابلة سابقة مع مجلة "الخليج الجديد" عندما قال "إن واشنطن وحلفاءها هم أكبر داعمين للإرهاب في العالم، لأنهم يوفرون الدعم العسكري والسياسي للدول التي ترتكب جرائم حرب" .

المحور الثاني: الإطار النظري - ازدواجية المعايير في العلاقات الدولية.

2.1 المفهوم والتعريف

ازدواجية المعايير (Double Standards) في العلاقات الدولية تعني تطبيق مبادئ أو قواعد مختلفة على مواقف متشابهة، بناءً على هوية الفاعل أو مصالح المقيم، وهي تعتبر حالة انفصام بين الخطاب والممارسة، حيث يُبشر بقيم عالمية (كالعدالة وحقوق الإنسان وسيادة القانون) لكن تطبيقها يخضع لاعتبارات القوة والمصالح السياسية والاقتصادية .

2.2 الجذور الفلسفية لتحليل هذا الخطاب.

تعود جذور هذه الظاهرة إلى نشأة النظام الدولي الحديث، حيث يعتبر المفكر السياسي الإيطالي/ نيكولو مكيافيلي، أول من صاغ مبدأ "الضرورة السياسية" التي تبرر للأمير ما لا يبرر لغيره. أما المفكر الإنجليزي/ توماس هوبز ،أسس لفكرة أن الدولة في "حالة الطبيعة" لا تخضع لقوانين الأخلاق كما يخضع لها الأفراد .

لكن التحليل الأكثر عمقاً لهذه الظاهرة نجده عند (نعوم تشومسكي)، الذي يرى أن ازدواجية المعايير ليست مجرد خلل في التطبيق، بل هي بنيوية في صميم النظام الدولي. فالقوى العظمى تخلق قواعد وتستثني نفسها منها، وتصنف الأفعال وفقاً لهوية فاعلها لا وفقاً لطبيعتها .

2.3 نظرية الخطاب المزدوج

يقدم المنظر السياسي الفلسطيني/إدوارد سعيد في كتابه "تغطية الإسلام" تحليلاً مهماً لآلية عمل الخطاب المزدوج، "الكلمات نفسها تحمل معاني مختلفة حين تطبق على الغرب وحين تطبق على الآخر". فالاحتلال يصبح "تحريراً" حين تقوم به أمريكا، والمقاومة تصبح "إرهاباً" حين يقوم بها الفلسطيني، والاغتيال يصبح "عملية نوعية" حين تنفذه إسرائيل .

المحور الثالث: تجليات ازدواجية المعايير في النظام الدولي

3.1 في مجال القانون الدولي

يشكل القانون الدولي أبرز ميادين ازدواجية المعايير. فالقرارات الدولية تطبق بشكل انتقائي، وتحديدا القرارات المتعلقة بإسرائيل على سبيل المثال، حيث أصدر مجلس الأمن مئات القرارات التي تدين إسرائيل أو تطالبها بوقف الاستيطان أو الانسحاب من الأراضي المحتلة، لكنها جميعاً تبقى حبراً على ورق لعدم وجود آلية إلزام. بالمقابل، أي قرار ضد دولة غير محسوبة على الغرب يُقابل بعقوبات فورية وتدخلات عسكرية مثل العراق وايران وفنزويلا وكوبا وغيرها.

كذلك قرارات المحكمة الجنائية الدولية، المحكمة التي أنشئت لمحاكمة مرتكبي أشد الجرائم خطورة، كانت في بدايتها على مدار اكثر من عشر سنوات تطارد قادة أفارقة وصغار مجرمي الحرب، لكنها تتهرب من ملاحقة ومحاكمة قادة كبار من دول كبرى، إلا انها غيرت من هذا النهج مؤخراً ووجهت لائحة اتهام إلى الرئيس الروسي/بوتين على جرائم ارتكبها في أوكرانيا، وايضاً لائحة اتهام ضد رئيس وزراء حكومة الاحتلال الاسرائيلي/نتنياهو ووزير جيشه يواف غالانت، وكذلك اعتقال الرئيس الفلبيني السابق/رودريغو بتهم ارتكاب جرائم ضد الأنسانية.

أيضا معضلة حق النقض الفيتو في مجلس الأمن الذي تملكه الدول الخمس الكبرى، حيث استخدمته الولايات المتحدة وحدها أكثر من 80 مرة لحماية إسرائيل من الإدانة، بينما تستخدمه روسيا لحماية حلفائها، وهذا يعطل أي عدالة دولية حقيقية على أرض الواقع.

3.2 في مجال حقوق الإنسان

تتجلّى ازدواجية المعايير بوضوح في ملف حقوق الإنسان حيث تنتقد التقارير الدولية مثل منظمات "هيومن رايتس ووتش" و"منظمة العفو الدولية" بشدة انتهاكات دول كالصين وروسيا وإيران، لكنها تستخدم لغة أكثر ليونة عند التعامل مع انتهاكات إسرائيل أو حلفاء الغرب في الخليج .

اما حول المعايير المزدوجة في التغطية الإعلامية، يوثق تشومسكي في كتابه "الإعلام والدعاية"، ان وسائل الإعلام الغربية تخصص مساحات هائلة لانتهاكات الخصوم، وتتجاهل أو تبرر انتهاكات الحلفاء .

3.3 في مجال مكافحة الإرهاب

ربما لا يوجد مجال تظهر فيه ازدواجية المعايير بشكل أكثر فجاجة من ملف مكافحة الإرهاب حيث تصنيف المنظمات على سبيل المثال حركة حماس وحزب الله منظمات "إرهابيه" في الغرب، بينما المنظمات التي تقاتل في سوريا وتنفذ الأجندة الأمريكية، وتصنفها روسيا "إرهابية" تجد دعماً غربياً وربما اصبح احد قادتها رئيسا لدولة سوريا الجديدة بعد سقوط نظام الاسد.

كذلك اغتيال اسرائيل للعلماء النوويين الإيرانيين يُعتبر "عمليات استخباراتية مشروعة" ورائعة ، بينما أي رد إيراني يُعتبر "إرهاباً" ، وتعتبر مقاومة الاحتلال الاسرائيلي في فلسطين المحتلة "إرهاب"، بينما مقاومة الاحتلال في أوكرانيا "كفاح بطولي" يتم توفير الدعم المعنوي والمادي والأسلحة لهم.

المحور الرابع: قراصنة وأباطرة - تشومسكي وكشف الوجه الحقيقي للنظام الدولي

يقدم كتاب "قراصنة وأباطرة، الإرهاب الدولي في العالم الحقيقي" (Pirates and Emperors: International Terrorism in the Real World) تحليلاً عميقاً لازدواجية المعايير في التعامل مع الإرهاب.

4.1 فكرة الكتاب الأساسية

يؤسس تشومسكي لفكرة بسيطة لكنها ثورية، يعتبر الإرهاب ليس فعلاً بقدر ما هو تصنيف، والفعل الواحد مثل (قتل المدنيين، تفجير المنشآت، احتجاز الرهائن) ،يمكن أن يُصنف إرهاباً أو عملاً عسكرياً مشروعاً حسب (هوية الفاعل).

يقول تشومسكي: "عندما نسمع كلمة 'إرهاب'، يجب أن نسأل فوراً: من الذي يعرف؟ ما هو التعريف المستخدم؟ ومن الذي يطبقه؟". الإرهاب، بالنسبة له، هو "سلاح الضعفاء" حين يرتكبه أعداء الغرب، لكنه يختفي حين يرتكبه الغرب وحلفاؤه .

4.2 الإرهاب من أعلى الهرم لصناع القرار.

يطرح تشومسكي مفهوماً مركزياً هو "الإرهاب من أعلى" (Terrorism from Above)، أي الإرهاب الذي تمارسه الدول القوية، خاصة الولايات المتحدة وحلفاءها. هذا النوع من الإرهاب لا يُسمى إرهاباً في الخطاب الرسمي، بل يُسمى "دفاعاً عن النفس" أو "حماية للمصالح" أو "فرضاً للنظام".

ويوثق تشومسكي بالتفصيل كيف أن الولايات المتحدة دعمت أنظمة دكتاتورية ارتكبت مجازر بحق شعوبها، وغزت دولاً وقتلت مئات الآلاف دون تفويض أممي، واستخدمت حق النقض (الفيتو) لحماية حلفائها المتهمين بجرائم حرب.

4.3 معيار الكيل بمكيالين.

يرى تشومسكي أن المعيار المزدوج ليس مجرد انحراف عن القاعدة، بل هو القاعدة نفسها. فالنظام الدولي قائم على مبدأ "افعل كما أقول لا كما أفعل". القوى العظمى تخلق القوانين وتستثني نفسها منها، وتحتكر حق تعريف المفاهيم (إرهاب، عدوان، دفاع مشروع) وتوظفها في خدمة مصالحها.

ويخلص إلى أن الحل ليس في تحسين تطبيق المعايير الحالية، بل في كشف زيفها وبناء بديل يقوم على مساءلة الجميع، القوي قبل الضعيف، والصديق قبل العدو.

المحور الخامس: السياق التاريخي - ازدواجية المعايير في الصراع مع إيران.

5.1 تاريخ من العدوان المزدوج المعايير.

تعكس العلاقة الغربية مع إيران بوضوح ازدواجية المعايير ومنها المواقف التالية:

-قامت وكالة المخابرات المركزية (CIA) بتنفيذ انقلاب عام 1953 على حكومة مصدق المنتخبة ديمقراطياً، لأنه أراد تأميم النفط الإيراني. هذا الانقلاب لم يُدَنْ، بل اعتبر "عملاً استخباراتياً مشروعاً"ورائعاً بالنسبة للدول الغربية.

-دعمت واشنطن وحلفائها عامي 1980-1988: الرئيس العراقي/صدام حسين في حربه ضد إيران، بالأسلحة والمعلومات، رغم زعم استخدامه للأسلحة الكيميائية لم تعارض ذلك ، وبالطبع هذا الدعم لم يُعتبر "عدواناً".

-قامت واشنطن باغتيال الجنرال الايراني/قاسم سليماني عام 2020 في بغداد بأمر من الرئيس الأمريكي ترمب. هذا الاغتيال اعتبر "عملاً دفاعياً".

-قيام اسرائيل من عام 2020 إلى عام 2026 باغتيال العلماء النوويين الإيرانيين، وضرب المنشآت النووية، وقصف مواقع في إيران، وبالطبع هذه الهجمات تمر دون إدانة غربية لانتهاك قواعد القانون الدولي .

5.2 ماذا لو انعكست الأدوار.

لاختبار مدى موضوعية المعايير الغربية، يمكن إجراء تجربة فكرية بسيطة وهي ماذا لو كان من يشن الهجمات على إيران هو الصين، أو روسيا، أو إيران نفسها ضد دولة غربية؟ هل كان سيصدر بيان يدعو المعتدي إلى "الكف عن هجماته" فقط، أم كانت ستصدر قرارات إدانة وعقوبات اقتصادية وربما تدخلات عسكرية.

الجواب واضح ان المعيار الوحيد هو (هوية الفاعل)، لا طبيعة الفعل. مثال على ذلك إسرائيل المدعومة أمريكياً، تبقى في "منطقة رمادية" تحميها من الإدانة، بينما إيران في "منطقة حمراء" كل أفعالها مدانة مسبقاً ويجب فرض عقوبات صارمة عليها وتدميرا قدراتها العسكرية بالقوة الخشنة بدون الغطاء السياسي الدولي وضرورة صدور قرار من مجلس الأمن الدولي .

المحور السادس: تحليل البيان في ضوء نظرية تشومسكي.

بتطبيق عدسة تشومسكي التحليلية على البيان الأوروبي - الياباني الصادر في مارس 2026، يمكن ملاحظة عدة ظواهر وهي:

6.1 إعادة تعريف الواقع.

البيان يعيد تعريف الواقع بشكل انتقائي. فما يحدث ليس "عدواناً غربياً إسرائيلياً على إيران"، بل "تهديدات إيرانية" على دول الجوار يجب وقفها. بهذه الصياغة، يتحول المعتدي إلى ضحية، والضحية إلى معتدٍ، وتُقلب الأدوار رأساً على عقب، ويختلط الحابل بالنابل.

6.2 تغييب السياق وطمس الحقائق.

البيان يغيّب السياق تماماً ولا يتحدث عن سنوات من العقوبات القاسية التي خنقت الاقتصاد الإيراني، ولا يتحدث عن الاغتيالات المتكررة للقادة والعلماء الإيرانيين ، ولا عن التهديدات العلنية بتدمير إيران، ولا عن الدعم الغربي للجماعات المعادية لإيران. ويُستدعى الإيراني إلى المساءلة في فراغ تاريخي وسياسي.

6.3 لغة الندية مع طرف واحد

البيان موجه إلى إيران وحدها، وكأن إسرائيل وواشنطن ليسا طرفين في النزاع المسلح المشتعل في الشرق الأوسط من تاريخ 28-2-2026 والى تاريخ صدور البيان الضبابي، هذا يتجاهل حقيقة أن إسرائيل هي التي شنت هجمات على إيران، وأن الطائرات الأمريكية هي التي تشارك في الضربات، وأن القواعد الغربية في المنطقة تُستخدم لشن العدوان على ايران.

6.4 إضفاء الشرعية على العدوان

في ظل غياب دور مجلس الأمن الدولي، وصمت الدول الغربية بشكل عام عن العدوان الإسرائيلي الأمريكي على ايران،تمنح الدول التي أصدرت البيان ضمناً شرعية لهذا العدوان. فما لم يُدَنْ يُعتبر مقبولاً، كما ان مطالبة إيران وحدها بوقف "هجماتها" على دول الجوار (التي هي في الغالب ردود على العدوان)، فإن البيان يشرعن للطرف الآخر مواصلة عدوانه، رغم تأكيدنا على وقف قصف المؤسسات الحيوية في دول الخليج مثل محطات الطاقة وغيرها من الأهداف الاقتصادية والمدنية ، وضرورة تجنب إيران استهداف دول الخليج والأردن وتركيز ردها على من اشعل شرارة الحرب في المنطقة.

المحور السابع: انعكاسات ازدواجية المعايير على النظام الدولي.

7.1 تآكل مصداقية القانون الدولي

عندما يصبح القانون الدولي أداة انتقائية في يد القوي الكبرى، يفقد مصداقيته ويصبح مجرد حبرا على ورق، بل يصبح"قانون الغاب". وأيضا كما يقول تشومسكي، "عندما لا يكون القانون فوق الجميع، فإن الجميع يصبحون فوق القانون"، وبالطبع اسرائيل تعتبر نفسها فوق القانون الدولي بسبب الدعم الامريكي.

7.2 تفاقم النزاعات المسلحة الدولية.

ازدواجية المعايير لا تحل الصراعات بل تفاقمها. فعندما يشعر طرف أنه مستهدف وأن الطرف الآخر يتمتع بحصانة، يزداد إحساسه بالظلم، وتتعزز قناعته بأن لا حل إلا بالقوة، وهذا ما دفع الفلسطينيين، وتحديدا (المقاومة) في قطاع غزة بتنفيذ عملية طوفان الأقصى في السابع من اكتوبر/2023 بعد انتشار حالة اليأس بسبب الحصار الاسرائيلي المفروض على غزة منذ عام 2006, وأيضا بسبب فشل المفاوضات الفلسطينية-الاسرائيلية وفشل عملية السلام وغياب اي حلول سياسية للمشكلة الفلسطينية بعد مرور اكثر من سبعين عام على احتلال فلسطين، اضافة إلى زيادة وتيرة الاستيطان الاسرائيلي في القدس المحتلة وفي مدن الضفة الغربية، وكذلك بسبب تجاهل حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وعدم تنفيذ قرارات الامم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية وتحديدا قرار التقسيم رقم 181 الصادر عام 1947 الذي ينص على إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وبجانبها ما يسمى باسرائيل.

7.3 صعود التطرف

الانحياز الغربي الواضح يغذي مشاعر الإحباط والغضب في الشارع العربي والإسلامي، ويُضعف التيارات المعتدلة التي تدعو للحوار، ويقوي تيارات التطرف والعنف التي تروج أن الغرب لا يفهم إلا لغة القوة وهي على حق في ذلك بسبب تجاهل حق الشعوب في تقرير مصيرها.

7.4 تحول المنظمات الدولية إلى ساحات صراع

عندما تتحول منظمات مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن إلى ساحات لصراع النفوذ، تفقد قدرتها على لعب دور الوسيط النزيه، وتتحول إلى أدوات في يد القوى الكبرى، وتبقى مهددة بالانهيار والزوال مثلما حصل مع عصبة الأمم المتحدة، التي انهارت عندما استُخدمت كمنصة لتمرير أجندات الدول الكبرى بدلاً من أن تكون حارساً للأمن الجماعي، فعجزت عن منع الحروب التي اندلعت في الثلاثينيات، وفقدت مصداقيتها حتى تم حلها رسمياً عام 1946.

المحور الثامن: نحو نظام دولي أكثر عدالة - توصيات وحلول.

8.1 على المستوى النظري

أولاً: فضح الازدواجية: كما يقول المفكر/ تشومسكي، يجب فضح ازدواجية المعايير وكشف تناقضات الخطاب الغربي. الوعي بهذه الظاهرة هو الخطوة الأولى لمواجهتها.

ثانياً: إعادة تعريف المفاهيم: لا يمكن للقوى الكبرى أن تبقى محتكرة حق تعريف "الإرهاب" و"العدوان" و"الدفاع المشروع". يجب تطوير تعريفات موضوعية تنطبق على الجميع.

ثالثاً: نقد مراكز القوة: يحتاج المثقفون والإعلاميون إلى ممارسة نقد جذري لمراكز القوة، وعدم الاكتفاء بنقد الخصوم.

8.2 على المستوى القانوني والمؤسسي

أ-إصلاح مجلس الأمن، حيث لا يمكن الحديث عن عدالة دولية مع استمرار هيمنة الدول الخمس الكبرى وحق النقض (الفيتو). يجب إصلاح مجلس الأمن ليكون أكثر تمثيلاً وأقل هيمنة، وزيادة الأعضاء الدائمين فيه من اسيا وأفريقيا والوطن العربي وغيرهما يكون توزيع جغرافي عادل لكافة الدول.

ب- تفعيل المحكمة الجنائية الدولية، عبر تمكين المحكمة من محاكمة جميع مرتكبي الجرائم، بمن فيهم قادة الدول الكبرى، وتوفير الإرادة السياسية لذلك وتنفيذ مبدأ المساواة والعدالة الجنائية الدولية وعدم الإفلات من العقاب .

ج-آلية مستقلة لتقييم الالتزام بحقوق الإنسان: بدلاً من التقارير الانتقائية الحالية، يجب إنشاء آلية دولية مستقلة تقيم أداء جميع الدول بنفس المعايير.

8.3 على المستوى السياسي

أولاً: موازين قوى جديدة: لا يمكن تحقيق العدالة في ظل هيمنة قطبية واحدة. ظهور قوى جديدة مثل الصين وروسيا، وتكتلات مثل بريكس، قد يخلق توازناً يحد من الاستفراد الغربي.

ثانياً: الدبلوماسية المتعددة الأقطاب: على الدول النامية أن تطور علاقاتها مع جميع الأطراف، وألا ترهن مصيرها لقطب واحد.

ثالثاً: تفعيل دور المنظمات الإقليمية، والمقصود منظمات مثل الاتحاد الإفريقي،وجامعة الدول العربية النائمة ،يمكن لهذه المنظمات أن تلعب دوراً أكبر في حماية مصالح أعضائها، وموازنة النفوذ الغربي والضغط لعدم الشطط في استخدام قانون القوة ضد قوة القانون الدولي .

8.4 على المستوى الشعبي والإعلامي

أولاً: إعلام بديل: مع هيمنة الإعلام الغربي على السردية العالمية، تبرز الحاجة إلى إعلام بديل يقدم وجهات نظر مختلفة ويكشف ازدواجية المعايير.

ثانياً: حراك مجتمع مدني عالمي، عبر خلق تحالفات بين منظمات المجتمع المدني في الشمال والجنوب يمكن أن تضغط على الحكومات لتغيير سياساتها.

ثالثاً: مقاطعة ازدواجية المعايير، بضغط من الشعوب على حكوماتها لتبني مواقف متسقة وعادلة،وأن تقاطع الخطاب المزدوج أينما وجد.

ختاما،وبالعودة إلى قرصان الإسكندر وإمبراطور اليوم، وبعد أكثر من ألفي عام على محاورة الإسكندر للقرصان، لا يزال سؤال الازدواجية الأخلاقية يلقي بظلاله على النظام الدولي، ولكن الفرق أن قرصان الإسكندر كان صريحاً في قرصنته، بينما إمبراطور اليوم يلبس عباءة "ناشر الديمقراطية" و"حامي حقوق الإنسان" و"محارب الإرهاب".

بيان الدول الست ليس مجرد خطأ دبلوماسي أو هفوة في التعبير، بل هو تعبير عن بنية عميقة خاطئة في النظام الدولي، بنية تقوم على أساس أن القوي لا يُسأل عما يفعل، والضعيف يُحاسب على ما لم يفعل.

نعوم تشومسكي، في كتابه "قراصنة وأباطرة"، لم يقدم فقط تشخيصاً للمشكلة، بل دعا إلى تغيير جذري في طريقة التفكير. "علينا أن نطالب بتطبيق نفس المعايير على الجميع. إذا كان القتل متعمداً للمدنيين جريمة عندما يفعله الفلسطيني، فهو جريمة عندما يفعله الإسرائيلي. وإذا كان تدمير البنية التحتية إرهاباً عندما تفعله حركة حماس أو حزب الله أو ايران، فهو إرهاب أيضا عندما يفعله جيش الاحتلال الاسرائيلي أو الجيش الأمريكي".

اخيرا،ربما يكون الحل الحقيقي في استعادة جوهر قصة القرصان عبر نزع الشرعية عن العنف أياً كان مصدره، و(محاكمة الفعل) لا الفاعل، وتطبيق المعيار نفسه على القوي والضعيف، والإمبراطور والقرصان. عندها فقط، يمكن الحديث عن نظام دولي عادل، وعن عالم لا تموت فيه الحقيقة تحت أقدام الفيلة وتحت قانون القوة في ظل غياب العدالة وقوة القانون .

المراجع

1. تشومسكي، نعوم. قراصنة وأباطرة: الإرهاب الدولي في العالم الحقيقي. ترجمة: [اسم المترجم]. القاهرة: [الناشر]، [سنة النشر].
2. تشومسكي، نعوم. الإرهاب هو سلاح الأقوياء. مقابلة مع مجلة "الخليج الجديد"، [تاريخ المقابلة].
3. سعيد، إدوارد. تغطية الإسلام: كيف يصور الغرب العالم الإسلامي. ترجمة: [اسم المترجم]. بيروت: [الناشر]، [سنة النشر].
4. مكيافيلي، نيكولو. الأمير. ترجمة: محمد لطفي جمعة. القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012.
5. هوبز، توماس. اللفياثان. ترجمة: [اسم المترجم]. بيروت: [الناشر]، [سنة النشر].
6. مجلس الأمن الدولي. سجلات استخدام حق النقض (الفيتو). الأمم المتحدة.
7. تقارير منظمة العفو الدولية وهيومن رايتس ووتش حول الصراع في الشرق الأوسط (2023-2026).
8. بيان الدول الست (بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، هولندا، اليابان) بشأن إيران، [تاريخ البيان].
9. تقارير وكالات الأنباء حول التصعيد الإسرائيلي الأمريكي ضد إيران (2025-2026).
‏10. Chomsky, Noam. Pirates and Emperors: International Terrorism in the Real World. New York: South End Press, 2002