في كل محطة تنظيمية أو مؤتمرات تمثيلية يعود مصطلح “التشبيب” إلى الواجهة بوصفه عنواناً للإصلاح والتجديد.
لكن، عند التدقيق في الممارسة الفعلية، يتضح أن ما يجري في كثير من الأحيان لا يتجاوز كونه إعادة ترتيب دا
خل نفس البنية، دون المساس بجوهرها أو إعادة تعريف أدواتها ومنهجها.
المشكلة لم تكن يوماً في غياب الشباب، بل في طريقة إدماجهم في صلب البنية التنظيمية والسياسية وتمكينهم من الوصول لمراكز صنع القرار.
فالتشبيب الذي يمارس في السياق الفلسطيني يختزل غالباً في إدخال وجوه شابة إلى مواقع محدودة التأثير، ضمن منظومة لا تزال تدار بعقلية الحرس القديم.
وهنا يكمن التناقض كيف يمكن إنتاج قيادة تغييرية بأ
دوات تفكير لم تتغير؟
والمتابع لواقع الحالة الفلسطينية يجد ان عملية “التشبيب” تتحرك ضمن ثلاثة أنماط رئيسية تتمثل اولاً بالتشبيب الشكلي، حيث يتم استعراض الحضور الشبابي دون تمكين حقيقي لهم في مراكز صنع القرار بينما يشكل النمط الثاني بالتشبيب القائم على الولاء، حيث يعاد إنتاج شبكات النفوذ نفسها عبر وجوه جديدة.
أما الثالث، وهو الأكثر خطورة، فهو التشبيب المؤطر، الذي يخضع الشباب لمنظومة فكرية وتنظيمية جامدة، فيتحولون تدريجياً إلى نسخ مكررة من القيادات التقليدية بدل أن يكونوا قوة دفع وتجديد قادرة على الابتكار والاستمرار وحمل الراية
إن جوهر الأزمة لا يرتبط فقط بمن على مقاعد القيادة، بل بكيفية تعريف القيادة نفسها في زم
ن التحولات الرقمية والتغيرات المتسارعة، لم تعد القيادة تقاس بالأقدمية أو التاريخ التنظيمي فقط، بل بقدرتها على الابتكار، وفهم أدوات العصر، والتفاعل مع مجتمع متغير، خاصة فئة الشباب التي لم تعد ترى نفسها ممثلة في الخطاب أو الممارسة السياسية التقليدية ولا عمليات التمثيل واتخاذ القرار.
تظهر الإحصائيات والدراسات الحديثة حتى عام 2025-2026 فجوة كبيرة بين ثقل الشباب الديموغرافي في المجتمع الفلسطيني 21-22% وبين تمثيلهم في الأطر القيادية العليا وصناعة القرار داخل الفصائل الفلسطينية، حيث يظل هذا التمثيل ضعيفاً ومتدنياً، ويتركز غالباً في المستويات الوسيطة والقاعدية.
ان فكرة التشبيب الحقيقي لا يعني بالضرورة استبدال جيل بآخر كما يراها البعض بل بناء حوار يؤسس للشراكة بين القيادة التاريخية والخبرة والتجديد مع الشباب.
وهذا يتطلب أولاً إعادة النظر في قواعد ولوائح العمل التنظيمي من حيث الشفافية، وتداول الأدوار، وربط المسؤولية بالكفاءة لا بالولاء كما يتطلب منح الشباب أدواراً حقيقية في ملفات استراتيجية وليس الاكتفاء بإشراكهم في الهوامش وللاستخدام الغير مجدي في التصويت والتمثيل الشكلي .
الأهم من ذلك، هو ضرورة امتلاك الشجاعة بالاعتراف بأن لكل جيل أدواته ولغته وأولوياته مما يعزز فرص بناء الشراكات المستدامة القائمة على الثق
ة والاستمرارية والديمومة في رفع راية التجديد والتغير وتحقيق الاهداف والانجازات
فجيل اليوم يتحرك ضمن فضاء رقمي مفتوح، يمتلك أدوات تأثير مختلفة، ويرى السياسة من زاوية الفرص والمشاركة والكرامة والابتكار .
ان العودة لسياسة محاولة احتواء هذا الجيل داخل قوالب تقليدية لن تؤدي إلا إلى مزيد من العزوف أو الانفصال عن العمل العام.
أمام القيادة الفلسطينية اليوم مفترق طرق واضح وخاصة مع اقتراب عقد المؤتمر العام الثامن لحركة فتح تتسع فيها الفجوة يوماً بعد يوم إما أن تدير عملية تجديد حقيقية من الداخل، تقوم على نقل تدريجي ومتوازن للسلطة والمعرفة، أو أن تواجه تحولات مفروضة من الخارج، بفعل ضغط مجتمعي متزايد أو تحولات خارج الإطار التنظيمي.
التاريخ السياسي يظهر بوضوح أن النظم التي تفشل في تجديد نفسها، تجدد قسراً وفي الحالة الفلسطينية، حيث التحديات الوطنية والسياسية في ذروتها، لم يعد التشبيب ترفاً تنظيمياً بل ضرورة وجودية لضمان استمرارية الفعل الوطني وقدرته على التكيف
اخيراً وليس أخراً إن التشبيب ليس عملية حسابية تضاف فيها أرقام جديدة إلى معادلة قديمة ولا عملية تجميل شكلية بل هو نهج يفضي لإعادة صياغة شاملة للفكر السياسي وأدواته.
ومن دون ذلك، سيبقى مجرد شعار يرفع في المؤتمرات بينما تستمر الأزمة في إنتاج نفسها باشكال مختلفة وتتراكم التحديات وتتسع الفجوة بين الاجيال مما ينذر بحدوث الاختلال بالتوازنات .
التشبيب في القيادة الفلسطينية بين الشعار وإعادة إنتاج الأزمة
تاريخ النشر : 2026-04-23 15:08
