تاريخ النشر: 2026-10-18 | 14:54
تاريخ النشر: 2026-10-18 | 14:54
تل أبيب - ترجمة مصطفى ابراهيم: لا تُعد الانتخابات الإسرائيلية مجرد استحقاق سياسي في "دولة مجاورة" بالنسبة للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل هي حدثٌ يمسُّ تفاصيل حياتهم اليومية بشكل مباشر. فمن العمليات العسكرية والترتيبات الأمنية إلى القيود المفروضة على الحركة والتنقل عبر الحواجز، تتأثر كافة مناحي الحياة بالقرارات الصادرة عن الحكومة في تل أبيب.
هذا الواقع جعل من الانتخابات الإسرائيلية حديث الساعة عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومجموعات «واتساب»، والمناطق السكنية، وحتى في وسائل الإعلام المحلية؛ بل إن الشارع الفلسطيني يوليها اهتماماً يفوق أحياناً اهتمامه بانتخابات مؤسسات السلطة الفلسطينية المُعطلة منذ سنوات.
من قلب غزة، ومن داخل شقته المستأجرة بعد النزوح، يتساءل الباحث في الشؤون الفلسطينية مصطفى إبراهيم بسخرية مريرة: "إذا لم يهتم سكان غزة بهذه الانتخابات، فمن يهتم؟".
ويؤكد إبراهيم أنه على الرغم من القصف المستمر وظروف الحرب القاسية، يتابع الكثيرون في القطاع مجريات السياسة الإسرائيلية "دقيقة بدقيقة"، ويتدارسون استطلاعات الرأي للتحقق من هوية الفائز المحتمل. ويرجع ذلك إلى متابعة القنوات العبرية بشكل مباشر، أو الاستعانة بالترجمات والتحليلات العربية.
ولا يتوقف الاهتمام الفلسطيني عند هوية رئيس الوزراء القادم فحسب، بل يمتد لشطب أو حظر القوائم العربية (مثل التجمع والقائمة الموحدة والمشتركة)، باعتبارها مؤشرات حقيقية على موقع العرب والفلسطينيين في الخارطة السياسية الإسرائيلية ومدى تأثير ذلك على نسب التصويت.
كما تشهد النقاشات الفلسطينية انقساماً حول قدرة بنيامين نتنياهو على البقاء في السلطة مقابل فرص "معسكر التغيير"، حيث يرى البعض أن نتنياهو فشل وسيسقط، بينما يرى آخرون أن كتلة اليمين لا تزال صلبة وقد تفاجئ الجميع، وإن أجمع معظمهم على أمل واحد: عدم نجاح نتنياهو.
على المستويين الشعبي والرسمي في غزة ورام الله، يدرك الجميع أن تغيير القيادة الإسرائيلية لن يجلب معجزة سياسية.
وفي هذا السياق، يشير أكاديمي في العلوم السياسية بصلابة إلى أن اهتمام الشارع الفلسطيني بالانتخابات الإسرائيلية يتجاوز اهتمامه بالانتخابات الفلسطينية المؤجلة باستمرار، لإدراك الجمهور أن القرارات المصيرية المؤثرة في حياته تصدر من تل أبيب وليس من رام الله.
من جانبه، أوضح الدكتور محمد اشتية، رئيس الوزراء الفلسطيني السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة فتح، أن الأوساط السياسية تترقب النتائج باهتمام لأن الحكومة الحالية ألحقت أضراراً بالغة بالفلسطينيين وعزلت إسرائيل دولياً. وأضاف اشتية أن الشارع يتطلع إلى رئيس حكومة إسرائيلي يقر بمسؤولية بلاده عن المعاناة الفلسطينية ويفتح مساراً سياسياً حقيقياً لإنهاء الاحتلال، رغم إقراره بصعوبة التنبؤ بوجود نية سياسية جادة لدى المعارضة الإسرائيلية الحالية التي تميل هي الأخرى نحو اليمين.
وفي إطار متصل، يرى مسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية أن المنافسة الإسرائيلية محصورة بين خيارات "أقل سوءاً"، حيث لا تطرح الأحزاب الرئيسية أي تصور جاد لمنح الفلسطينيين دولة مستقلة، وبالتالي فإن أقصى ما يطمح إليه الفلسطينيون هو حكومة "أقل عدوانية".
ويوافق الباحث أحمد زكارنة على هذا الطرح، مؤكداً أن الأمل الفلسطيني لا يتعلق بعودة فورية إلى طاولة المفاوضات، بل يقتصر على "اختفاء الوجوه الأكثر تطرفاً" من المشهد، مما قد يمنح الفلسطينيين مساحة لالتقاط الأنفاس وربما تحريك المياه الراكدة في ملف الانتخابات الداخلية.
تختلف زاوية الرؤية للانتخابات بين غزة والضفة:-
في قطاع غزة: تُقاس النتائج بمدى قدرتها على إنهاء الحرب الطاحنة التي تشمل نحو مليوني إنسان. وبحسب مسؤول في حركة حماس (مقيم خارج القطاع)، فإن الرهان يتلخص في إمكانية وصول قيادة جديدة تسهم في إيقاف "الحرب المجنونة" وبدء إعادة الإعمار، خاصة مع فقدان الثقة التام بوفاء نتنياهو بأي اتفاقات.
في الضفة الغربية: تتصدر الأولويات ملفات الأمن الشخصي، ووقف تصاعد عنف المستوطنين، ورفع القيود عن حركة المواطنين والاقتصاد.
ويصف خليل الشقاقي مدير المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، جمهوراً منقسماً بين عدة تقديرات. فهناك من يعتقدون أن الوضع لا يمكن أن يصبح أسوأ مما هو عليه، ولذلك قد تكون الحكومة الجديدة أفضل. ويقدّر آخرون أن نتنياهو سيفوز ويعود إلى الحكم بالائتلاف نفسه، فيما يرى فريق ثالث أن الانتخابات لن تؤدي إلى تغيير حقيقي. وتتعايش هذه المواقف الثلاثة، لكن التشاؤم أقوى من التفاؤل.
ويحذّر الشقاقي من الاعتقاد بأن الجمهور الفلسطيني ينتظر اختراقاً سياسياً. ويقول: «التوقعات لا تتعلق بمسار سياسي، بل تتركز على الحياة نفسها: الأمن الشخصي، والوضع الاقتصادي، وحرية الحركة».
ويوضح أن الخوف على سلامة الأسرة في منزلها أو على أرضها أصبح مسألة محورية. ويرى كثيرون أن الدولة تتحمل المسؤولية عن ظاهرة عنف المستوطنين، وأن الأمر لا يتعلق بمجرد تصرفات أفراد أو مجموعة صغيرة، كما تحاول بعض الأوساط في إسرائيل تصويره. ويضاف إلى ذلك واقع اقتصادي قاسٍ وشعور بأن الناس لا يملكون السيطرة على ما سيحدث لهم.
ويؤكد البروفيسور الشقاقي: «لا يتعلق الأمر بالثقة بالمرشحين أو ببرامجهم، بل باليأس من استمرار الوضع القائم. عندما يكون الاختيار بين احتمال صعب وآخر أقل صعوبة، يصبح الأمل متواضعاً ومؤلماً. ومع ذلك، فإنه يحمل دلالة: الفلسطينيون يريدون وقف الحرب، وضمان أمن بيوتهم وأراضيهم، والقدرة على التنقل وكسب الرزق».
ليست الانتخابات الإسرائيلية انتخابات الفلسطينيين، لكن نتائجها ستؤثر في حياتهم. ولهذا يتابعونها حتى وهم متشككون، ومدركون أن تغيير الحكومة وحده لن ينهي الاحتلال ولن يضمن السلام. فالسؤال لا يقتصر على من سيفوز، بل يتعلق بما إذا كان سيفتح ثغرة في واقع الحرب التي يبدو أنها لا تنتهي. وحتى الأمل في خيار «أقل سوءاً» يظل أملاً.