تاريخ النشر: 2025-10-04 | 10:22
تاريخ النشر: 2025-10-04 | 10:22
خلال الأيام الأخيرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطة من 20 بندًا تهدف، على الورق، إلى وقف التصعيد على غزة، وتبادل الأسرى، وسحب القوات الإسرائيلية تدريجيًا، مع وجود آلية إشراف دولية لمرحلة انتقالية.
لكن هذه الخطة لم تخلُ من لغة تحكّم وتهديد ضمني، ما يدفع للتساؤل: هل هي خطة وساطة عادلة، أم أداة فرض لقواعد اللعبة لصالح إسرائيل؟
الإملاء المبطّن واللغة القسرية في الخطة
1. التهديد بحتمية العواقب: ترامب أعطى مهلة محدودة لقبول الخطة، وهدد بأن “كلّ الجحيم سينفجر” إذا لم يُقبَل العرض. هذا الأسلوب يحمل بُعدًا من الإملاء: أن القبول ليس خيارًا بل واجب تحت تهديد شديد.
2. شرط نزع السلاح الإلزامي: أحد البنود يطالب بـ “تفكيك قدرات حماس العسكرية” كشرط لوقف الحرب، ما يعني أن المقاومة نفسها تُعتبر الجزء المرفوض من الحل، وليس طرفًا يمكن التفاوض معه.
3. التحكّم الدولي المباشر: الخطة تقترح أن تكون هناك هيئة دولية إشرافية تُدير المرحلة التحويلية لغزة. هذا يضع الإدارة الفلسطينية والمقاومة في موقع الضعيف، يُملي كيفية الحكم أكثر مما يُتيح لصناعة القرار المحلي.
4. ربط قبول الخطة بشرط وضعي مسبق: القبول يُشترط به تبادل أسرى، وقف فوري لكل الأعمال العسكرية، وسحب إسرائيلي مشروط — ولكن مع بنود تسمح لإسرائيل بالمناورة أو البقاء ضمن مناطق معينة حتى تزعم اختفاء “التهديدات الأمنية”. هذا الربط يعطي القوة لمن فرض الخطة.
هل هذا انحياز أم وساطة مشروطة؟
إذا كان من يُقدّم نفسه وسيطًا، فالمفترض أن يتخذ لغة محايدة، يفسح في التفاوض للطرفين، لا أن يُجبر أحدهما على شروط مسبقة. لكن ما تبيّنه الخطة يعكس انحيازًا مقصودًا:
هي تخاطب المقاومة كما لو أنها طرف مُعطّل لا شريك شرعي.
تُحمّلها تحميلات مخصصة دون أن تضع قيودًا فعلية على إسرائيل لتحقيق الشروط ذاتها.
تجعل رفض الخطة ذريعة لاستعمال القوة، وكأن الرفض هو الإجرام.
وهذا الأسلوب لا ينمّ عن وساطة حيادية، بل عن محاولة لاحتكار الفرضية السياسية تحت مظلة “حل نهاية الأزمة”.
الاستفزاز الممنهج… وذريعة التصعيد
مفتاح الخطة هو: اجعل المقاومة ترفض، ثم قل إن المبرر للعمل العسكري هو رفضها. هذا تكتيك استخدمته كثيرًا الدول التي تسعى لإجبار الأطراف الأضعف على القبول بشروط مجحفة. فلو قبلت المقاومة على مضض، يُمكن أن تُنفَّذ بنود الخطة التي تستثني الحقوق الجوهرية؛ وإذا رفضت، تُعتبر معوقة ويُستخدم الرفض ذريعة للضغط والقصف.
بهذا الأسلوب، تُحوَّل خطة وقف الحرب إلى اختبار قوة أكثر من اتفاق سلام أو تهدئة شفافة. المقاومة لا يُكمن موازنتها على هذا الأساس، لأنها تُدرك أن القبول هنا قد يعني الاستسلام لآلية فرضية معدّة مسبقًا.
ماذا يجب أن يكون موقف المقاومة والشعب؟
رفض لغة التهديد ورفض أن يُحوّل الوسيط إلى طرف مُلزم بشروط مسبقة.
المطالبة بآليات مراقبة دولية فعلية لا تكليف السلطة أو المقاومة وحدهما بتنفيذ.
ألا يكون الرفض ذريعة لفرض خطط قسرية لاحقة.
أن تُعرض بدائل تحفظ الحقوق الأساسية: إنهاء الحصار، سحب كامل للقوات، تعويضات، وإشراف دولي نزيه لا توجيهي.
في الختام، خطة ترامب قد تبدو على السطح عرضًا لوقف الحرب، لكن في أعماقها لغة القوة والإملاء تفضح أن الوساطة قد تحوّلت إلى أداة فرض، وأنه ليس كل "عرض سلام" يحمل نوايا سلمية. المقاومة والشعب الفلسطيني أمام خيار الحفاظ على كرامتهم دون الوقوع في شباك شروط تُفرض كقانون مُنزّل، لا تفاوض مشروع.