بعد سلسلة الأزمات التي كشفتها التطورات الأخيرة، يبدو واضحاً أن النظام الإيراني لم يعد قادراً على إدارة الحرب، ولا على الوصول إلى سلام حقيقي. فهو يستخدم التفاوض لشراء الوقت، ويستخدم التصعيد لتعبئة الداخل، لكنه في الحالتين يتهرب من أصل المشكلة: نظام مغلق فقد قدرته على الاستجابة لمطالب المجتمع، وحوّل البلاد إلى مركز دائم للأزمات الداخلية والإقليمية.
وتعكس النقاشات المنشورة في الصحف الإيرانية هذا المأزق بوضوح. فبينما تدعو بعض الأوساط إلى التفاوض وتخفيف التوتر لإنقاذ الاقتصاد، تتمسك أوساط أخرى بالتهديد والانتقام، خشية أن يؤدي أي تراجع إلى إضعاف هيبة السلطة وتفكك مراكزها الأمنية. غير أن الخلاف بين الجانبين لا يتعلق بمستقبل إيران، بل بطريقة الحفاظ على النظام؛ فالتفاوض بالنسبة إلى فريق وسيلة للحصول على متنفس، والتصعيد بالنسبة إلى الفريق الآخر وسيلة لمنع انفجار الداخل.
لقد أثبتت التجربة أن الحرب لا تقدم حلاً للشعب الإيراني. فهي تدمر البنية التحتية، وتضاعف الأزمات الاقتصادية، وتمنح السلطة ذريعة لتوسيع القمع وفرض أجواء الطوارئ. كما أن الضربات الخارجية، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع وحدها بناء بديل ديمقراطي أو إنهاء جذور الاستبداد. وقد يستخدمها النظام لتقديم نفسه مدافعاً عن البلاد، وخلط حماية الوطن بحماية مؤسسات القمع.
وفي المقابل، فإن سياسة المساومة غير المشروطة أثبتت فشلها أيضاً. فالاتفاقات التي تمنح النظام الوقت والموارد من دون ربطها بوقف الإعدامات والقمع والتدخلات الخارجية، لا تؤدي إلا إلى إعادة تمويل الحرس الثوري وتقوية أجهزته الأمنية. وكل هدنة خارجية لا ترافقها ضغوط حقيقية على بنية النظام تتحول إلى فرصة لإعادة ترتيب أدوات السيطرة والاستعداد لجولة جديدة من الابتزاز.
إن قرار بريطانيا المتعلق بإدراج الحرس الثوري الإيراني يوضح أن المجتمع الدولي بدأ يدرك خطورة الفصل بين القمع الداخلي والإرهاب الخارجي. فالمؤسسة التي تدير الميليشيات وتزعزع استقرار المنطقة هي نفسها التي تقمع الاحتجاجات داخل إيران. كما أن بيان أكثر من 120 شخصية عربية يؤكد أن شعوب المنطقة ترفض دفع ثمن مشروع طهران، وتميز بوضوح بين الشعب الإيراني وسياسات النظام العدوانية.
لكن الضغط الخارجي، رغم أهميته، لا يصنع التغيير وحده. فالعامل الحاسم يوجد داخل إيران، حيث تتراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتسع الفجوة بين المجتمع والسلطة، وتتصاعد الاحتجاجات ونشاط وحدات المقاومة. وهذه الوقائع تكشف أن النظام لا يواجه مجرد خلاف دبلوماسي أو أزمة اقتصادية عابرة، بل أزمة بقاء أمام شعب لم يعد يقبل استمرار الاستبداد.
ولهذا فإن الطريق الواقعي لا يمر عبر حرب مدمرة، ولا عبر مساومة تعيد تأهيل النظام، بل عبر دعم حق الشعب الإيراني في مقاومة القمع، والاعتراف بنضاله من أجل إسقاط مؤسسات الاستبداد، ومساندة بديل ديمقراطي يقوم على الجمهورية وفصل الدين عن الدولة والمساواة وسيادة الشعب.
إن حل أزمة إيران يبدأ حين يتوقف العالم عن الاختيار بين الحرب والتساهل. فالخيار الثالث موجود: ردع الحرس الثوري وشبكاته في الخارج، ومحاسبة المسؤولين عن الإرهاب والإعدامات، ودعم الشعب والمقاومة المنظمة في الداخل. عندها فقط يمكن لإيران أن تنتقل من مصدر للأزمات إلى دولة تعيش بسلام مع شعبها وجيرانها، ضمن شعار واضح: لا شاه ولا ملا، بل جمهورية ديمقراطية حرة.