تاريخ النشر: 2026-10-07 | 22:05
تاريخ النشر: 2026-10-07 | 22:05
لـم يـسـبـق أن كـانتِ الـدّولـةُ الصِّـهـيـونـيّـة مـكـروهـةً فـي الـعـالـم ومـدانَـةً ومـنـبـوذة كـمـا هـي اليـوم، بـل مـنـذ قـريـبٍ مـن ثـلاث سـنـوات. مـن الـمـفـهـوم تـمـامـاً أنّـهـا كـانـت كـذلك، دائـمـاً، عـنـد شـعـوبـنـا: فـلـسـطـيـنـيّـيـن وعـربـاً ومسـلـمـيـن، مـنـذ ارتـكـابـهـا جـريـمـة الـعـصـر بـاغـتـصـاب أرض فـلـسـطـيـن وتـهـجـيـر شـعـبـهـا وتـشـريـدِه فـي الآفـاق، فـي العـام 1948، حـتّـى يـوم الـنّـاس هـذا مـروراً بـمـسـلـسـل حـروبـهـا ومـذابـحـهـا ضـدّ شعـب فـلـسـطـيـن وشـعـوب مـصـر وسـوريـة والأردن ولـبـنـان (1956، 1967، 1978، 1982، 2000، 2003، 2006، 2008، 2012، 2014، 2018، 2021، 2023- 2024- 2026-2025)؛ فـصـراعُ هـذا الـفُسـطـاط مـن الـعـالـم مـع الـكـيـان الصّـهـيـونـيّ سـيـسـتـمـرّ، قـطـعـاً، ولـن يـحـجُـبـه غـربـالُ «الـتّـسويـات» الـعـابـرة ومـعـه سـتـتـصاعد مـشـاعـر الـنّـقـمـة مـنـه والـتّـعـبـئـةُ السّـيـاسـيّـةُ والـثّـقـافـيّـة فـي مواجـهـتـه. لا غـرابـة، إذن، فـي أن تـكـون مـجـتـمـعاتُـنـا مـركـزَ كلّ مـنـاهـضـةٍ لـهـذا الكـيـان الـنّـازيّ؛ فـلـقـد خَـبُـرتْـهُ وذاقـت مـن الـكـأس الـمُـرّة لـجـرائـمـه وإبـاداتـه...
ومـن الـمـفـهـوم تـمـامـاً، أيـضـاً، أن يـقـاسـمـنـا بـعـضُ الـعـالـم الـشّـعـورَ بـوطـأة الـجـرائـم التي تـقـتـرفـهـا هـذه الـدّولـة، وبـخـطـورتـهـا عـلى الأمـن والاسـتـقـرار فـي الـعـالـم وعـلى القـانـون الـدّولـيّ وحـقـوق الـشّـعـوب وحـقـوق الإنسـان، وأن يـتـحـزّم ذلـك الـبـعـضُ مـن الـبـشريّـة الحـيّـة لـفـضـح جـرائـم ذلك الكـيـان واسـتـنـكـارِهـا وتـحـريـضِ بـلـدان الـعـالـم لـمـنـاهـضـتـهـا، ولـنـصـرة قـضـيّـة الشّـعـب الـفـلـسـطـيـنـيّ وحـقـوقـه الـوطـنـيّـة الـثّـابـتـة فـي أرضـه المـحـتـلّـة وفـي تـقـريـر مـصـيـره عـلـيـهـا. أمّـا بـعـضُ ذلك الـعـالـم الـذي نـعـنـيـه فـيـمـتـدّ نـطـاقُـه الجـغـرافـيّ والسّـيـاسـيّ مـن بـلـدان الجـنـوب، خـاصّـةً مـنـهـا تـلك التي قـادتـهـا حـركـات الـتّـحرُّر الـوطـنـيّ، إلـى تـلك التـي كـانـت تـنـتـمـي إلـى مـا كـان يُـعـرَف بـاسـم «الـمـعـسـكـر الاشـتـراكـيّ». يـجـمـع بـيـن هـاتـيـن الـمـنـظـومـتيـن مـن الـدّول مـوقـفُـهـا الـمـنـاهـض للسّـيـاسـات الـغـربـيّـة الإمـپـريـالـيّـة وتـدخّـلاتـهـا الـتّـخـريـبـيّـة فـي شـؤون الـعـالـم ومـوقـعُ الـدّولـة الصّـهـيـونـيّـة فـي تـلك السّـيـاسـات بـوصـفـهـا واحـدةً مـن أدواتـهـا...
مـن الـمفـهـوم، إذن، أن تـكـون صـورة دولـة الاغـتـصـاب والإبـادة عـلى درجـةٍ عـالـيـة مـن السّـوء فـي عـيـون شـعـوب هـذيـن الـعـالـمـيْـن: عـالَـم الـعـروبـة والإسـلام، وعـالَـم الأحـرار وذوي الـضّـمـائـر الحـيّـة، ولـكـنّ الـذي يـدعـو إلـى الـتّـفـاجـؤ السّـار - وإلـى بـنـاء فـهـمٍ عـمـيـقٍ لـه فـي آن - هـو اتّـسـاعُ دائـرة إنـكـار جـرائـم تـلك الـدّولـة بـدخـول مـجـتـمـعـات الـغـرب الأوروبـيّ الأمـريـكـيّ فـي نـطـاقـهـا، وتـغـلـغُـل الـشّـعـور الـعـامّ بـاسـتـنـكـار أفـعـالـهـا حـتّـى في البـيـئـات السّـيـاسـيّـة والاجـتـمـاعـيّـة التي ظـلّـت، تـقـلـيـديّـاً، حـواضـنَ للـفـكـرة الصّـهـيـونـيّـة والسّـرديّـة الـصّـهـيـونـيّـة. ومـع أنّ الـغـرب لـم يـكـن خِـلْـواً، دائـمـاً، مـن قـوى الـرّفـض للاحـتـلال الـصّـهـيـونـيّ وبـطْـش قُـواه، بـل ظـلّـت بـيـئـاتُـه الـيـسـاريّـة والـثّـقـافـيّـة - إلـى عـهـدٍ قـريـب- مـنـاهـضـةً لـجـرائـمـه ومـدافـعـةً عـن حـقـوق الـشّـعـب الـفـلـسطـيـنـيّ، إلاّ أنّ مـعـدَّلَ مـشـاعـر الـعـداء للـدّولـة الـصّـهـيـونـيّـة فـي مـجـتـمـعـات الـغـرب لـم يـسـبـق أن ارتـفـع كـمـا هـو مـرتـفـعٌ الـيـوم، ولا جَـهَـر بـنـفـسـه كـمـا هـو يـجـهـر الآن. والـحـقّ أنّ الأمـر فـي هـذا الـمـتـغـيّـر الـهـائـل، فـي عـلاقـة الـغـرب بـدويـلـتـه الـقائـمـة في أرضـنـا، مـن الإثـارة بـحيـث أنّـه مـسَّ البـيـئـات السّـيـاسـيّـةَ الحـاكـمـةَ والـمـعـارضـةَ بـمـقـدار مـا مـسَّ المـجـتـمـعـات؛ وهـو مـا يـحـدث للـمـرّة الأولـى مـنـذ تـوحّـدتِ السّـلـطـةُ والـمـعـارضـة والـمـجـتـمـع فـي بـلدان الـغـرب ضـدّ نـظام الـمـيـز العـنـصـريّ فـي جـنـوب أفـريـقـيـا.
لـيـس قـلـيـلاً أن تَـشْـرع الـبـرلـمـانـات والـحـكـومـات الأوروبـيّـة فـي إطـلاق مـواقـفَ مـنـاهـضـة لـسـيـاسـات الإبـادة الـجـمـاعـيّـة الـتي تـقـتـرفـهـا الـدّولـة الـعـنـصـريّـة فـي غـزّة ضـدّ أهـلـهـا، وأن تـتـبـنّـى تـقـاريـرَ الأمـم الـمـتّـحـدة ومـنـظّـمـاتـهـا الإنـسـانـيّـة الـعـامـلـة فـي فـلـسـطـيـن الـمـحـتـلّـة بـمـا هـي تـقـاريـر مـطابـقـة لـحـقـيـقـة الأوضـاع هـنـاك. ولا هـو قـلـيـل أن تـبـادر دولٌ أخـرى، مـثـل إيـرلـنـدا وإسـپـانـيـا والـنّـرويـج والسّـويـد وبـلـجـيـكـا، إلـى فـرض الـقـيـود الاقـتـصاديّـة عـلى الـكـيـان وتـشـديـد حـمـلـة المـقـاطعـة عـلـى مـنـتـوجـات الـمـسـتـوطـنـات فـي فـلـسـطـيـن الـمـحـتـلّـة جـنـبـاً إلـى جـنـب مـع رفـع سـقـف الاعـتـراض السّـيـاسـيّ عـلى جـرائـمـه. بـل مـا كـان يـمـكـن أن يـتـخـيّـل الـمـرء كـيـف أنّ الـدّول التي رعـتِ الـمشـروع الصّـهـيـونـيّ وكـيـانـه فـي فـلـسـطـيـن بـاتـت تـعـلِّـق تـراخـيـصـهـا بـتـصـديـر الـسّـلاح لـ «إسـرائـيـل»؛ كـمـا تـفـعـل، الـيـوم، كـلّ مـن بـريـطـانـيـا وفـرنسـا وإيـطـالـيـا؛ ولا كـان يـمـكـن أن يـتـخـيّـل أن تـعـلـن دولٌ مـن أوروبـا رفـضَـهـا دخـول ضـبّـاط ومـسـؤولـيـن مـن الـكـيـان إلـى أراضيـهـا والـتّـهـديـد بـاعـتـقـالـهـم، بـل فـعـلـت ذلك دولٌ مـن خـارج أوروبـا مـثـل كـنـدا وأسـتـرالـيـا ونـيـوزيـلـنـدا. يـكـفـي دلـيـلاً عـلى مـا نـقـول موجـةُ الاعـتـرافـات الأوروبـيّـة بـدولـة فـلـسـطـيـن، وتـزايُـد عـدد الـدّول الأوروبـيّـة التي اعـتـرفـت بـقـرارات «مـحـكـمـة الجـنـايـات الـدّولـيّـة» الخـاصّـة بـاعـتـقـال قـادة مـن الجـيـش والـحـكـومـة الصّـهـيـونـيّـة، والـتي أبـدت اسـتـعـدادهـا تـطـبـيـقَ مـذكّـرات الاعـتـقال الـصّـادرة فـيـهـم (أيـرلـنـدا، إسـپـانـيـا، بـلـجـيـكـا، سـلـوڤـيـنـيـا، هـولـنـدا، الـنّـرويـج، سـويـسـرا، الممـلـكـة الـمـتّـحـدة). وعـنـدي أنّ تـحـوُّلاً هـائـلاً طـرأ عـلى السّـيـاسـات الأوروبـيّـة والـغـربـيّـة (مـا خـلا أمـريـكـا وألـمـانـيـا وبـلـدان صـغـيـرة) تـجـاه الـدّولـة الصّـهـيـونـيّـة وجـرائـمـهـا.
بـالـمـوازاة، اسـتـمـرّت حـركـةُ مـدِّ مـوجـات الـتّـضـامـن الـشّـعـبـيّ الـعـارم مـع غـزّة والشّـعـب الـفـلـسـطـيـنـيّ فـي عـواصـم الـغـرب ومـئـات مـدنـه الـكـبـرى، مـنـذ بـدأت حـمـلـة الإبـادة فـي 8 أكـتـوبـر 2023 حـتّـى الـيـوم، عـلى نـحـوٍ مـن الـكـثـافـة والـتّـعـاظُـم لا سـابـق لـهـمـا فـي الغـرب. ولـقـد انـتـقـلـت حـركـة الـتّـضـامـن تـلك إلـى قـلـب ولايـات أمـريـكـا ومـدنـهـا فـأحـدثـت تـغـيـيـراً حـاسـمـاً فـي الـمـألـوفـات، حـتّى أنّ أعـداد مَـن تـظـاهـروا نـصـرةً لـفـلـسـطـيـن فـي أمـريـكـا - وهـي بـالـمـلايـيـن - فـاقـت أعـداد مَـن تـظـاهـروا دفـاعـاً عـن حـقـوقـهـم الاجـتـمـاعـيّـة الـمـهـضـومـة أو مَـن تـظـاهـروا احـتـجـاجـاً عـلى سـيـاسـات إدارة تـرامـپ حيـال الـهـجـرة والـمـهـاجـريـن. لـكـنّ أَظْـهَـرَ مـا مـيَّـز مـوجـات الـتّـضـامـن هـذه كـامـنٌ فـي مُـعْـطَـيـيْـن اثـنـيـن: فـي الاقـتـران الـمـاهـويّ بـيـن الـتّـضـامـن هـذا مـع غـزّة والشّـعـب الـفـلـسـطـيـنـيّ وتـعـاظُـم مـوجـات الاسـتـنـكـار لـجـرائـم دولـة الاحـتـلال واتّـسـاع نـطـاق الـدّعـوة إلـى مـقـاطـعـتـهـا الاقـتـصـاديّـة والـتّـجـاريّـة والـعـلـمـيّـة لـهـا. ثـانـي الـمـعـطـيـيْـن ثـورة الجـامـعـات الـغـربـيّـة ضـدّ الصّـهـيـونـيّـة ودولـتـهـا، وتَـصـدُّر فـئـة الشّـبـاب مـعـركـة فـضـح «إسـرائـيـل» ونـزع المـشـروعـيّـة عـنـهـا. الأرقـامُ، هـنـا، تـقـول كـلّ شيءٍ بـبـلاغـة. تـصـل نـسـبـة الـمـنـاهـضـيـن لـ «إسـرائـيل» مـن الشّـبـاب (مـن الـفـئـة الـعـمـريـة: 18 إلـى 34 عـامـاً) فـي أوروبا إلـى 75-80 %، وفـي الـولايـات الـمـتّـحـدة إلـى 74% (فـي أوساط شـبـاب «الحـزب الـجـمـهـوريّ» تـصـل إلـى %57 بـيـنـمـا تـرتـفـع فـي أوسـاط شـبـاب «الحـزب الـدّيـمـقـراطـيّ» فـتـصـل إلـى نـسـبـة 84%)، وفـي أسـتـرالـيـا إلى 85%... والـبـقـيّـة تـأتـي. إنّ الحـديـث، هـنـا، عـن فـئـة مـتـعـلّـمـة مـنـها سـتـتـكـوّن نـخـب الـغـرب السّـيـاسـيّـة والاقـتـصاديّـة والـعـلـمـيّـة والإعـلامـيّـة.
إذا كـان لـهـذا الـتّـحوّل الهـادر، الـذي يـجـري فـي أهـمّ حـواضـن الـصّـهـيـونـيّـة: الـغـرب، مـا يـدُلّ عـلـيـه فـهـو يـدُلُّـنـا عـلى أنّ صـورة تـلـك الـصّـهـيـونـيّـة ودولـتـهـا أصـيـبـت بـشـروخ أَذهـبـتْ مـا كـان لـهـا مـن بـريـقٍ فـي عـيـون مـجـتـمـعـات مـضـلَّـلَـة، وأنّ روايـتـهـا عـن نـفـسـهـا سـقـطـت فـمـا عـادت تـسـتـدرّ عـطـفـاً بـعـد أن رُفِـع الـقـنـاعُ عـن وجـهـهـا الـنّـازيّ. ولـقـد كـان الـسّـيـد جـي دي ڤـانـس، نـائـب الـرّئـيـس الأمـريـكـيّ، أفـضـل مـن عـبَّـر - مـن السّـاسـة الـغـربـيّـيـن- عـن مـأزق الـدّولـة الـصّـهـيـونـيّـة، الـيـوم، حـيـن خـاطـب المـسـؤولـيـن فـيـهـا قـائـلاً لـهـم: عـلـيـهـم أن لا يـنـسـوا أنّ أمـريـكـا هـي الـدّولـة الـوحـيـدة الـتي تـسـانـد دولـتـهـم وأنّ الـرّئـيـس تـرامـپ هـو الـرّئـيـس الـوحـيـد فـي الـعـالـم الـذي يـقـف إلـى جـانـبـهـا، وأنّ هـذا كـلّ مـا تـبـقّـى لـهـا مـن رصـيـدٍ فـي الـعـالـم!... وشَـهِـد شـاهـدٌ مـن أهـلـهـا.