قمم مكة...هزيمة فلسطين 2 – 1
كتب حسن عصفور/ عندما قررت العربية السعودية الدعوة لثلاث قمم متصلة في مكة، وهي سابقة تاريخية لم يكن لها مثيل، اعتقد غالبية اهل فلسطين، أن "نصرة سياسية" هائلة ستأتيهم في مواجهة المشروع – الأمريكي – الإسرائيلي، الرامي لتصفية القضية الوطنية ضمن مسميات متعددة ومختلفة، ولتكريس المشروع التهويدي التوراتي على حساب المشروع الفلسطيني.
بلا شك، فالاعتقاد كان ضمن ما هو منطق سياسي، ليس لقيمة فلسطين ومركزيتها في حسابات الصراع الإقليمي فقط، بل كونها القضية الأساس للصراع في المنطقة بكافة اشكاله، منها السلام ومنها الحرب، ولا غيرها مهما تفرعت أو تشعبت قضايا طارئة.
ولكن، المفاجأة "التاريخية" السلبية جدا، هو ان قمتين من القمم الثلاث تجاهلت كليا اسم فلسطين، وليس قضيتها فحسب، بل غابت القدس بكل ما لها من حضور سياسي – ديني ووجداني في ضمير الأمة، التي كان قلبها ينبض حضورا ثوريا من المحيط الهادر الى الخليج الثائر، وكأنها باتت نسيا منسيا حتى رئيس فلسطين بصفته التمثيلية ومكانته السياسية تم التعامل معه كرئيس درجة ثانية، بروتكولا دون النظر للقيمة السياسية لما يمثل، تأكيدا لهامشية فلسطين القضية – والشعب في الذهن الرسمي العربي.
غابت القضية المركزية في الصراع الإقليمي، لصالح قضية خطيرة وهامة أيضا تتعلق بالسلوك الإيراني المعادي لدولة الخليج، وما يشكله من فتح حالة توتر كبير تستفيد منها الولايات المتحدة بالحد الأقصى، وهو ما غاب كليا عن القيادة الإيرانية وتحالفها متعدد الأطراف، بأنها تساعد عمليا المشروع الأمريكي الاستعماري، بعيدا عن كل الضجيج اللغوي.
وللأسف لم نلمس أي رد فعل غاضبة او معاتبة من رئيس فلسطين ووفده المرافق لا تصريحا ولا تلميحا عن ذلك التغبيب الكارثي، بل ان مرافقي عباس السياسيين تفرغوا لتوزيع صوره وبعض من خطابه، وكأنه قام بفتح عظيم ان يقول عن قضية الوطن ما قال، انحدار وانحطاط مركب شهدتهما قمتي مكة (الخليجية والعربية)، وصمت يجب حسابهم عليه ممن يدعون أنهم ممثلين لفلسطين.
وجاءت قمة مكة "الإسلامية" لتنصر فلسطين، عبر اعلان هام سياسيا، حتى لو كانت رصا لعبارات لن ترى النور والتطبيق يوما، لكنه بيان أعاد الأصل السياسي في الصراع الى مكانته الأم، وسيطرت كليا على مجمل مفاصل الإعلان المكي للقمة الإسلامية، كرسالة لواشنطن وتل أبيب، ان الفرح الهستيري الذي حدث لهم جراء تغييب فلسطين لن يطول أمده، بل ولن يتمكن كائن من كائن على فعل ذلك، حتى ولو نجح البعض الجهول سياسيا، بعض الوقت، خاصة مع هزالة الحضور والتمثيل الرسمي الفلسطيني، الذي كان "صفرا حافظ منزله" في التمثيل والتفاعل.
نعم هزمت فلسطين بهدفين لهدف في القمم الثلاث، وخسرت هيبة التمثيل الذي هو من هيبة القضية، لكنها لن تطول كثيرا، وربما يكون لتلك الهزيمة أثر معاكس ليس في فلسطين وحدها، بل في منطقتنا رغم كل ما تعيشه من حراكات ملتبسة الهوية والهدف.
لقد كشفت تلك الهزيمة الكبيرة، أن التأثير الفلسطيني على مسار الرسمية العربية وصل الى نقطة الاختفاء، نتاج الحالة الذاتية التي أنتجتها النكبة الثالثة (نكبة الانقسام – الشرذمة)، والأداء السياسي الذي يمكن اعتباره الأكثر رداءة منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة يناير 1965 برصاصة قوات العاصفة. (تذكروا دوما ما قالته الأوساط الإسرائيلية بأن الانقسام هو الهدية الأهم للكيان في العشرات سنوات الأخيرة).
الهزيمة السياسية في القمم الثلاث، هي رسالة الى الداخل الفلسطيني، ان الوقت لم يعد كما كان يوما، وبدأ يعمل بأسرع من كل الحسابات معاكسا للرحلة الفلسطينية.
هزيمة قمم مكة جرس إنذار للكل الفلسطيني، ان استمرار المشهد بقواه ومواقفهم وسلوكهم سيقود حتما الى تحقيق "الحلم الصهيوني التاريخي" فوق أرض فلسطين، ليس بإقامة "دولة اليهود" فقط بل بتدمير الكيانية – الهوية الفلسطينية، ورميها من جديد في تيه بلا ملامح.
هزيمة قمم مكة هي جرس إنذار، أن الوقت هو السيف يتطلب "انتفاضة ذاتية فلسطينية" قبل انتفاضة على العدو المركب، انتفاضة تصويب مسار سياسي وأدوات وخلق قيادة تدرك ان القضية الوطنية ليست هواية يمارسها البعض الحزبي...أو تاجر سياسي مسافر بهدفه خارج حدود الوطن.
بلا تردد أنه وقت "قيادة سياسية جديدة"، تدرك أن الوطن ليس حقيبة حزبية مالية...
ملاحظة: نصيحة الى قيادتي حماس والجهاد، أوقفوا تصريحاتكم "الصاروخية"، كونها أصبحت مسخرة، كل تصريخ صاروخي تخسرون معه بقوة الصاروخ ذاته... احتفظوا بها الى يوم الضرورة لو كان هناك ضرورة!
تنويه خاص: حسنا فعل د. محمد أشتية رئيس حكومة رام الله بإرسال قرار رواتب الوزراء الى الرئيس عباس للبت فيها، لكن لو قررها الرئيس هل ستنفذ، وفي حال رفضه، هل ستعاد الأموال التي صرفت باطلا...ننتظر!
