إلى "خنساوات" فلسطين

تابعنا على:   15:39 2024-06-25

محمد المحسن

أمد/ تحية من خلف شغاف القلب..إلى "خنساوات" فلسطين..رمز الفداء والعطاء والتضحية بالحياة حد الشهادة..

الإهداء : إلى كل فلسطينية تغزل بأنامل من نور ويقين ثوب العودة.. وتحيي نبض الثورة..فقد تذبل الأوطان ولا يبعثها من مرقدها،سوى امرأة تحترف المقاومة كما تحترف الأمومة..

-عَلَيْكُمْ أيُّها الأبطالُ أيضاً

أما زِلتُمْ بِدُنيانا شَبابُ ؟!

أمِ الأعداءُ زَخّوكُمْ رَصاصاً

فأنتم في الجِنانِ بِهَا تـُثابُوا؟

عليكُمْ رَحمَةُ الرّحمانِ جَمْعاً

وَدَعوى اللَّهِ تَجْمَعُنَا الرِِّحابُ !

 

*(الشاعرة الفلسطينية المغتربة الأستاذة عزيزة بشير)

 

أستشهد إبنها الرابع والأخير،فزغردت..

هذه الزغرودة تحمل جدلية المشاعر عند المرأة الفلسطينية،فبماذا نفسر هذه الجرأة والعنفوان؟ كيف استطاعت أن تكسر قيد الأمومة،والأمومة قيد من نور ونار؟

كيف انعتقت من وجعها وعجزها ودموعها؟

أعتقد أن هذه الزغرودة ضماد للجرح وشمعة تضيء قلبها الذي أعتم،فعندما تذبل الورود تبقى البذور في الأكمام تبشر بميلاد جديد للزهور..وزغرودة الأم الفلسطينية تضيء بها الطريق لأم أخرى تقف على قائمة الانتظار..

هذه الزغرودة ميلاد لفجر قادم،ولأنها ممتلئة بالوطن،ولأنها تخاف أن تنحني وينكسر،ولأنها تدرك أن الحياة قنطرة للعبور وأن الدم هو المعبر للتحرير والعودة،زغردت حتى لا تنكسر وينكسر الوطن..

هي ذي المرأة الفلسطينية الحرة..المرأة التي تؤمن بأن جمال المعركة في فلسطين يكمن بأن وجه العدو واضح وصريح فلا تردد ولا تراجع ولا انحناء،فالمعركة في فلسطين معركة بين الحق المتجذر والباطل الهش.

والمعركة ستجئ،لكن قبل الموعد أو بعده،ولأنّها مستمرة فهي مطالبة بأن تكون حاضرة متى تُطلَب وأينما طُلبت:إلى السجن،المعتقل،القبو الجهنمي،المستشفى الأكثر بياضا من العدم،المنافي المتحركة الأرصفة إلى المجهول..وعليها الإستبسال أرادت ذلك أو رغبت عنه،لأنّ فلسطين قضية مقدّسة،من أجلها تؤمّم الديمقراطية،فلا صوت يعلو فوق صوت المعركة،وفلسطين هي المعركة،لذلك عليها أن تجيد سماع الصّوت وأن تبدع في صداه.

هي ذي سيدة نساء الأرض..هي الأصالة المتجلية في جذور أشجار زيتونها،وجبالها الضاربة في عمق التاريخ،بل هي التاريخ نفسه. هي البتول التي اصطفاها الله لتحمل في أحشائها كلمة الله.

هي أم الشهيد الصابرة،هي مفتاح القدس ونوره،هي الأم والأخت والأسيرة والشهيدة والرفيقة..هي الحياة بأكملها.

هي التاريخ الفلسطيني الحافل في مسيرته بكفاح شعبه من أجل التحرر وبناء دولته المستقلة التي قدمت في مسيرتها آلاف الشهيدات والجريحات والأسيرات.لذا ليس غريبًا أن تكون في طليعة من يقدم الأرواح في معركة "طوفان الأقصى"،حيث فاق عدد الشهداء الثلاثين ألفًا حتى الآن،معظمهم من النساء والأطفال، كما أكدت ذلك الإحصائيات الأممية المعتمدة.

إن شريط الذكريات توقف ليتحول إلى حقيقة حين نقف أمام التضحيات الجسام التي تقدمها الأم الفلسطينية المؤمنة،التي تتقبل استشهاد فلذة كبدها بالزغاريد،وتحمد الله وتشكره على هذه النعمة التي أنعم عليها الله بها.

إن هؤلاء النسوة من المجاهدات الفضليات يشكلن مدرسة عظيمة لها ما بعدها،فعطاؤهن المتميز يشكل منعطفاً تاريخياً في حياة الأمة بأسرها،ونقلة نوعية في مفردات العمل الوطني. 

لذا نحن اليوم أمام مرحلة جديدة لا تعرف التراجع،ولو كان الثمن مهجة القلب وفلذة الكبد،فهؤلاء المجاهدات قدّمن أغلى ما يملكن لأجل فلسطين.

ففي فلسطين..وفلسطين فقط،تحمل الأم ابنها مرتين،مرة في بطنها جنيناً،وأخرى على رأسها شهيدأ،لقد أكدت "خنساوات فلسطين" مقولة الشهيد  الدكتور عبد العزيز الرنتيسي: "إن للوطن نساء يعرفن صناعة الرجال،ورجالاً يعرفون صناعة الموت"، لذلك  -أنا كاتب هذه السطور- المقيم في الشمال الإفريقي،أنا الملتحف بمخمل الليل الجريح..أنا المتورّط بوجودي في زمن ملتهب..

أعرف أنّ الوجعَ في غزة ربانيّ،كما أعرف أيضا أنّ الفعل هناك رسوليّ،لكنّي لا أملك سوى الحبر،وما من حبر يرقى إلى منصة الدّم.

وحتى حين يمور الدّم في جسدي باحثا عن مخرج،فإنّي لا أجد سوى الكتابة،الكتابة عن الشيء تعادل حضوره في الزمن،ووجوده واستمراره في الحياة..

لا أقول إنّ الرأس تطأطأ أمام الموت من أجل الوطن،بل أنّ الرأس لتظل مرفوعة فخرا بشعب أعزل يؤمن بأنّ الشجرة إذا ما اقتلعت تفجرّت جذورها حياة جديدة،وتلك هي ملحمة الإنبعاث من رماد القهر وهي بإنتظار من يدخلها ذاكرة التاريخ عملا عظيما يشع منارة في المسيرة الظالمة التي تنشر ظلمتها قوى الشر في هذا العالم.

سلام هي غزة..سلام هي فلسطين كلها..إذ تقول وجودنا تقول وجودها الخاص حصرا..فلا هويّة لنا خارج فضائها..وهي مقامنا أنّى حللنا..وهي السّفر..

 ومن خلف شغاف القلب،أوجّه تحية تقدير وإجلال وإكبار لخنساوات وشهيدات فلسطين.

سلام هي فلسطين..

 

 

اخر الأخبار