الدولة القطرية وتحدي طوفان الاقصى

تابعنا على:   16:43 2024-07-19

صالح عوض

أمد/ نص المقال: الدولة القطرية.. وتحدي طوفان الأقصى صالح عوض ليس البديل عن الدولة القطرية تفكيكها وبعثرت مكوناتها الإثنية كما حاولت أن تفعل السياسات الاستعمارية في الربيع العربي، إنما عدم جعل حدودها حاجزا يحرم الشعب والأمة من المصالح الحقيقية الكامنة في التواصل مع الامتدادات الثقافية الاجتماعية الحضارية "الأمة" وذلك من أجل بناء وحدة من عديد المكونات الجغرافية والمناطقية والثقافية في كيان واحد متكامل اقتصاديا وأمنيا، يحمي أجزاءه ويتصدى لأعدائه ويكون عنصرا أساسيا في التوازن الدولي و صيانة الحقوق والذود على الكرامات.. و منفتح على العطاء الإنساني استفادة وإفادة.. فلقد أثبتت المنعطفات السياسية والاجتماعية المتتالية أن الدولة القطرية تعيش حالة قلقة مهزوزة معرّضة دوما لانتكاسات خطيرة في مواجهة تحديات ذاتية أو موضوعية تكاد تعصف بها وتفقدها القدرة على تحقيق الاستقرار الاجتماعي و الاستقلال الاقتصادي والثقافي والأمني.. لقد أصبحت عشرات دولنا عبارة عن معلبات مجمدة. الدولة الغربية محل الإلهام: تبدو فكرة الدولة القطرية وجيهة تماما في الغرب وتكون جاءت في وقتها وفي مرحلة تاريخية بعينها وذلك لتعدد العرقيات والثقافات والديانات والتاريخ الطويل من الصراع بين الممالك الغربية، فكانت الدولة القطرية التي تجمع جهات عديدة حسب اللغة والعرق والجغرافيا المحددة حلا نموذجيا في مرحلة تاريخية معينة وهذا تطور مهم على الصعيد الاجتماعي السياسي الأوربي، ووجدت هذه الفكرة في أوربا الغربية دعاة مهرة سياسيا وثقافيا وإعلاميا لترسيخ الفكرة في كل أبعادها لتصبح الدولة هي "الإله" المقنن والمشرع والمسير، وانطلقت هذه الكيانات الجديدة المسماة دولا نحو مشروع استعماري واسع في البلاد العربية والأسيوية والإفريقية متفقة في أحيان كثيرة ومتباينة في بعض الأحيان لنهب الخيرات التي لا تمر الا عن طريق الحروب واستعباد الشعوب العربية والإفريقية والأسيوية بعد تدمير دفاعاتها الثقافية والسياسية.. فكان الاستعمار ضرورة أساسية لاستمرار الدولة القطرية في الغرب يمدها بمؤهلات الاستمرار والتطور والرفاه.. ومع تنامي حركات التحرر في العالم أصبح الامداد المجاني للدولة الاوربية تحت طائلة التهديد والخطر القائم، بالاضافة الى تقديرات علمية عميقة بأن الدولة القطرية ستؤول باوربا الغربية التي كانت تضم امبراطوريات استعمارية شرسة الى امارات هزيلة منكمشة مهددة في مصيرها لاسيما في ظل تنامي قوى عالمية عملاقة قد تحدث اختلالات عميقة في التوازن الدولي، فليس من المرحب به أن تظل هذه القارة هي المركز العالمي في الزمن الذي تحاول فيه أمريكا تفتيت احتمالات تولد مراكز عالمية.. من هنا ولاسباب أخرى عديدة توجه فلاسفة اوربا وسياسيوها ودهاقنتها الى التفكير العملي العلمي الى بناء كيان سياسي اقتصادي يضم الكل الأوربي، ورغم التناقضات الحادة بين مكونات الانظمة السياسية الاوربية كما التنوع المتطرف دينيا وثقافيا ولغويا بين عديدها الا انهم استطاعوا تشكيل اطار يلغي الحدود الجمركية والسياسية ويعلن انفتاح منطقة جغرافية اجتماعية واسعة على قواها الذاتية اقتصاديا وامنيا فيما هو أكثر تماسكا من الحلف الاطلسي واذا بالاتحاد الاوربي قوة دولية اقتصادية سياسية عملاقة تسابق الزمن في اسقاط التصورات -على الاقل- التي تهدف الى احالة أوربا على رفوف التاريخ، فكانت اوربا واليورو عنوانا مهما لنجاح الاتحاد الاوربي وان القارة لم تعد عجوزا بل وصل الطموح بالرئيس الفرنسي الى دعوة اوربا الى الخروج من حلف الناتو الذي اعتبره ميتا سريريا الى تكوين جيش اوربي يقوم بالمهمات التي لها علاقة بمصالح اوربا خاصة.. هذا البسط السريع يعني بوضوح أن التطور في البناء الاوربي انتقل من مرحلة الى اخرى أكثر تطورا خلال القرنين السابقين متساوقا مع التطور السياسي العالمي ومع تنامي قوى عالمية، لقد بدأوا بدويلات مجهرية حتى وصلوا الى كيان عملاق متكامل متعاون رغم ما بينه من تناقضات خطيرة ولم تفت في عضده كثيرا خطوة بريطانيا بالانسحاب منه والتي لم تكن خطوة بريئة إنما تمت بناء على حسابات دولية وإقليمية فاقعة وظل حتى الان قوة اقتصادية وسياسية عملاقة.. وهكذا يصبح واضحا لنا ان الحياة السياسية وأشكالها في أوربا-مركز الإلهام لنخبنا الثقافية والسياسية- تنتقل من مرحلة الى أخرى أكثر قوة وتطور، وهي في عملية تجديد مستمر وتعزيز علمي واسع، ولا تتجمد على نمط معين ومرحلة معينة وذلك بحثا عن أفضل شروط الديمومة في مركز الفعل العالمي الذي يكاد ينسحب منها. لم تنساق نخبنا فقط الى التقليد والتبعية الثقافية في مجال السلوك الفردي من طرائق المأكل والملبس والأفكار الشخصية وفلسفة الحياة الاجتماعية ونمطية تشكيل الأحزاب السياسية ومسمياتها وعناصر البناء الاقتصادي على قواعد الربا والاستهلاك، إنما والأخطر من ذلك كله أن نستقبل فكرة الدولة القطرية التي استقر اليها الفكر السياسي الغربي في القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين- والتي يتخلى عنها الآن- بتقليد أعمى وتصبح هذه الفكرة المستوردة أداة هدم لتاريخ طويل عاشته الأمة وتصبح ضمانة استمرار للتخلف والضياع.. الطوفان يطوح بالفكرة القطرية: صحيح تمكن دعاة القطرية المتوحشة من فرض قوانين ودساتير ورايات وأناشيد وثقافة و نعرات غذتها وسائل إعلام مسيّسة وذلك كله لعزل كل قطر عربي عن الأمة بدءا بالجيران بل وصل الحال بأن تصبح العقيدة الأمنية للدولة القطرية تدور حول الخطر القادم من الجار العربي أو الإسلامي.. ولقد لعب المستعمر بخبث وتخطيط كبيرين لديمومة هذه الحالة لتحقيق فرضية التآكل الذاتي في الأمة فالعرب مع جيرانهم في صراع والعرب فيما بينهم في تضاد وتآمر وتنازع.. فكانت هذه أهم نتائج الدولة القطرية التي فشلت في مواجهة كل التحديات التي واجهتها وتحول الشعب في ظلها عن قطعان هائمة يضرب الجوع بطونها ويحكم القيد معصميها وتنتزع منها أنيابها ليكون سهلا ان تداس كرامتها.. حدث الطوفان وقبله حدثت هزات عنيفة في الأمة وكان واضحا ان الحدود وسياجاتها الأمنية لم تستطع الصمود أمام التعاطف والتواد بين الشعوب العربية والإسلامية. إن طوفان الأقصى ليس هو الامتحان الوحيد الذي كشف هزال الطرح القطري في بناء الدولة الوطنية.. ولكنه الامتحان الذي فجر القنبلة، فهاهي جموع الأمة تنحب وتتجرع الغصص وهي ترى أن أجزاءا منها تدمير وتقتل وتباد فيما لا تستطيع الدولة القطرية رفع الأذى او رد الظالم، بل أصبحت الدولة بكل ما لديها من جيش وأموال ومؤسسات تتستر في أحسن أحوالها خلف مواطنين يقومون بادوار هامشية لنجدة إخوانهم في الارض المباركة حول بيت المقدس.لقد صبر الناس طويلا على فشل الدولة القطرية في مشاريع تنمية تستفيد من طاقات البلاد وثرواتها وصبر الناس على الجوع والقهر وصبر الناس على الفوضى والتيه ولكنهم أمام ما يحصل في غزة كان النحيب المر يمزق أحشاءهم ليكتشفوا من جديد ان الدولة القطرية جبانة وخائفة ولا تراعي مقدسات ولا كرامات وذلك بناء على حسابات المصلحة والخوف أن يلحق بها الدمار والتبعثر والخراب .. وذهب ببعضها إلى الخذلان والتعاون مع العدو او السكوت عن أفعاله وذلك بحجة مصلحة الدولة الوطنية..وما كان هذا الإحساس ليتشكل في ظل الأمة المتماسكة المتكاملة المتعاونة.. إن فلسطين وطوفانها عرى تماما قيمة الدولة الوطنية وحقيقة إنشائها و أنها تتشكل برؤية ليست وفق قيم الأمة وروحها ومصالحها، ولذلك فإنها لن تحمي حياض ولا تدفع عن مقدسات ولا تحقق كرامة وعزة.. ولعل هذه هي القيمة الأساسية في ثورات فلسطين ودورها. انها الامتحانات المتتالية التي تعصف بحياة العرب والمسلمين المشتتين على دول قطرية مشرقا ومغربا وتدفعهم للانتحار او الموت المر دونما أفق من العراق الى سورية وليبيا والسودان واليمن والحبل على الجرار.. وللحق لابد من إنصاف المؤسسين الثوار في حركات التحرر في المشرق والمغرب الذين كانوا يرون في الوحدة خطوة اكيدة لاحقة بعد قيام الدولة الوطنية إلا أن رسالتهم لم تتحقق حيث سطا على فكرة التحرر من أزاحها عن طريقها المرسوم..فلقد أصبحت الدولة الوطنية التي كانت حلما في يوم من الأيام لكي تأتي الخطوة اللاحقة باقتدار الى معطل للطاقات الداخلية وأداة قهرية دون تكامل الأمة ووحدتها بل أصبحت بثقافتها وحدودها ونشيدها الوطني ومناهج التعليم والتعبئة الوطنية حاجزا دون نصرة الأمة بل حتى أصبحت دولنا جميعا نهبا لصراعات حدود صنعها عسكريو المستعمر القديم ويرعاها أبناؤه المعاصرون، كما أنها قامت بمهمة تكاد تكون حصرية في إرغام الناس عن التخلي عن منظومة قيمهم الإنسانية والدفع بهم الى التبعية والجوع والفقر والانغلاق والارتهان للبنك الدولي والقروض في ظل عملية نهب مستمرة لثروات البلاد والدفع بطاقات انبائها الى الخارج الذي يعيد توظيفهم في عجلته الاقتصادية على الاقل. من أكبر عيوب الدولة القطرية ان تلغي كل امتيازات التاريخ الطويل لأمة لم تعرف مجدها الا بوحدتها..فلقد كان الراكب ينطلق من مراكش الى القدس دونما حاجز وكانت جيوش العرب والمسلمين تنهض من كل مكان لنصرة المستضعفين وكانت حزائن بيوت المال تتدفق على الأقطار التي يصيبها الجفاف والمخمصة.. وهنا نرفع فكرة الوحدة الى حيث هي من القيمة والاعتبار على أنها الاساس الذي لا ينبغي بأي شكل من الأشكال التهاون فيه وان يضرب بيد من حديد على أية أفكار أو أوضاع تشتت الأمة وتجعل بينها حدودا وحواجز. ان السير نحو التكامل والتعاون هو الطريق الوحيد الذي يفضي الى قوتنا ومنعتنا وعزتنا ورفاهنا وهو السبيل الوحيد الذي يجعلنا بين الأمم محل تقدير وهيبة، نحن أمة تاريخية عريقة لا تحتاج دروسا من خارج تاريخها، ولحسن الحظ أننا أمة نمتلك كتابا يؤسس بدقة ونظام لوحدة أمتنا ويجعل ذلك عبادة وتقوى ويرى في غير ذلك طريق الفشل والتيه والضلال والعبودية لغير الله.. وكذلك نحن نمتلك تاريخا يشهد لنا بان وحدتنا حققت لنا النماء والتطور والرفاه والسعادة والهيبة والكرامة وان فرقتنا أضاعت منا الأندلس ومهدت الطريق للاستعمار في كل مكان مشرقا ومغربا حتى احتل بلادنا وهتك حرماتنا وشهد التاريخ ان فرقتنا أضاعت منا العراق وليبيا وسوريا والسودان وحاصرت الباقي من دولنا بالخوف والانغلاق و ها هي تشهد أبشع لحظات التاريخ ان نعيش مرحلة إبادة شعب في الارض المباركة دون تحرك جيوشنا واموالنا وقوتنا لنصرة أخوة العقيدة والدم.. ولقد صدق الله العلي العظيم في قوله: ولاتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم.. والله غالب على أمره

اخر الأخبار