مناورات الساعات الحرجة

تابعنا على:   16:09 2024-07-26

صالح عوض

أمد/ إنه الأسلوب الشيطاني دوما حيث يتهرب الطواغيت من الإجابات الطبيعية على الأسئلة المطروحة الحقيقية بافتعال إجابات على أسئلة وهمية مفتعلة أو قضايا جانبية، ليصرف الأذهان عن جوهر القضية.. انه منهج الإلتواء و الإمعان في الشر والفساد تتزود به الجماعات الشريرة والأفراد المنحرفون لزحزحة المؤمنين عن مطالبهم المحقة وأهدافهم المقدسة.. هكذا كانوا في مواجهة الأنبياء والمصلحين والثوار يكفي أن نشير في هذا الصدد الى ما اقترحه الاستعمار الفرنسي في مواجهة ثورة الشعب الجزائري حيث اتجهت الإجابة الاستعمارية الى تحسين المعيشةّ!! انها المناورات المستمرة.
جبهة جديدة خطيرة:
في إطار عملية التوهيم والتضليل تطل الخطابات وحرب الكلمات وعواصف التهديدات ولغة الاستعلاء كسلاح يبرز بوضوح في هذه الأيام وكأن القضية كلها هي الرهائن والمعبر ونتساريم وفيلادلفيا والمساعدات وتبادل الأسرى و الإعمار بعد وقف النار و استقدام القوات الدولية والبديلة لحكم غزة والحلول الإسرائيلية الأمنية لغزة.. وهنا تمتد ألسنة التزييف الى ذكر المساعدات عن طريق الإنزال الجوي وإرسال الأكفان والميناء العائم وحشد المساعدات على بوابات قطاع غزة.
كل الحديث الذي يجري هذه الأثناء يدور حول هذه المواضيع كأنها هي القضية.. وتمعن المناورة والمؤامرة في جر الوعي والإعلام الى التركيز عليها بعيدا عن جوهر القضية التي كانت سببا في كل هذا الواقع منذ قرن من الزمان على الأقل: أرض مغتصبة وشعب ممزق ومشرد ومضطهد يناضل من أجل حريته .. ورغم الجهود المركبة التي تبذلها السردية الصهيونية والتي تحصر القضية في نشر تلك العناوين وتوحي انها تحقق فيها انتصارات وتقدم يشاركها مواقف المتخاذلين والمتواطئين من العرب والمسلمين ألا انها ورغم كل ذلك تجد نفسها من حين الى آخر مرغمة على مواجهة أسئلة من نوع آخر تضرب بعمق في عضل الكيان الصهيوني تدور حول مهمات الجيش الإسرائيلي المستحيلة في مواجهة المقاومة حيث لم يعد هناك مجال للحديث عن الحقوق والإنسانية انما عن القوة والاقتدار وهنا تتجدد المهمات المعقدة المرهقة أمامه وتتوسع جبهات الحرب التي تستدعيه الى أن يظل متكئا على حرابه، ومع ذلك سيظل الكيان الصهيوني والفكرة الصهيونية مضطرة إلى الخضوع للأسئلة الوجودية الكبيرة"أي حق يمنحهم شرعية الوجود على أرض شعب آخر" أمام صمود شعب يعيش أكثر من سبع ملايين منه داخل فلسطين. وسبع أخرى حول فلسطين..
الصعوبة تشتد عندما يرتفع الصوت العربي الرسمي يعزز هذا المنطوق السائر وتصبح أكثر المطالب المروج لها عبر وسائل الإعلام باستحياء تدور حول المساعدات وفتح المعابر وهكذا تم اختصار القضية الكبيرة في الحرب على غزة، وبعد ذلك تم اختصار قضية غزة الى قضية المعبر.. ولم يجد الحاكم العربي جملة يصف بها العدوان الصهيوني الا جملة سياسية : " إنهم يضغطون من أجل الرهائن" وانخرط النظام العربي بشكل أو بآخر في دور الوسيط لحل المشكلات المترتبة على العدوان الصهيوني على غزة.. وذلك في ظل إعلام غربي وأمريكي على وجه الخصوص اجتهد لصناعة رواية للأزمة- وليس القضية- بأن المشكلة تبدأ من 7 أكتوبر وان من قام بها جماعة إرهابية وتضخيم ما حصل وفبركة حكايات دعائية للتشنيع والشيطنة وعليه لابد من معالجة المترتب عليها باستعادة الرهائن واخراج تلك الجماعة من مسرح الأحداث عسكريا وسياسيا واجتماعيا..
في ظل هذا السرد البارز تنزوي القضية الأساسية ويذهب البعض الى اعتبار ان ما سبق 7 أكتوبر كان وضعا يمثل الحد المقبول لحياة الشعب الفلسطيني لاسيما في غزة ويتبوأ هذا البعض منصة اللوم وتحميل المسئولية للمقاومة الفلسطينية أنها هي من جرت الشعب في غزة الى هذه المهلكة والمقتلة وحرب الإبادة.. ورغم ان ذلك ظلم وافتراء مركب على جهتين الأولى تبرئة العدو من نواياه وخططه وواقعه وتاريخه الإجرامي والثانية إدانة المقاومة وهي حق مشروع حسب كل الأعراف الإنسانية والقوانين الدولية هذا فضلا عن الانسلاخ التام الذي يدفع اليه هذا المنطق وتوجهه الى تأبيد الاستعمار وشرعنته.. وعند السؤال عن البديل لمواجهة الحالة الاستعمارية لن تسمع إجابة وسترى ان الواقع أسوأ من السوء في الضفة الغربية والقدس حيث انتشار السرطان الاستيطاني في الضفة الغربية وتحويل الشعب الفلسطيني في مدن وقرى الضفة الى حالات أبارتياد.. ولم تقابل القيادات الصهيونية إصرار السلطة الفلسطينية على التمسك بالخيار السلمي والمفاوضات الا بالازدراء و الإهانات المتوالية وسحب صلاحياتها شيئا فشيئا..
من هنا تبرز الجبهة السياسية المعنوية الخطيرة والحساسة التي تصبح مساحة العمل المركز الذي ينبغي أن تبذل فيه المقاومة جهدها رغم العواصف ولعل القادة الفلسطينيين المقاومين الذين فجروا 7 أكتوبر عبروا أكثر من مرة أن الهدف هو دولة فلسطينية عاصمتها القدس وعودة اللاجئين الى أراضيهم وبيوتهم.. لعلهم أضاءوا على القضية بما يكفي من خلال الملحمة الكبيرة في يوم 7 أكتوبر وما لحق ذلك من مقاومة منقطعة النظير على مدار 10 أشهر.. لكن وبكل وضوح يبدو أن الجانب السياسي والإعلامي الملازم للمقاومة أقل مستوى مما هو مطلوب أو على الأقل أنه غير قادر أن يثبت المطالب المحقة للمقاومة، وفي مواجهة عواصف المبادرات والوسطاء انصرف الى مفاوضات عبثية حول شروط وقف إطلاق النار وهنا وجد قادة الكيان الصهيوني فرصتهم في التفاوض ثم التفاوض في مسائل هامشية مهما بلغت حدتها.
الموقف الأمريكي والدولة الفلسطينية:
ولإكمال حلقات المؤامرة والمناورة وكعملية استباقية يطرح الأمريكان موضوع اليوم التالي لإيقاف إطلاق النار.. ويكثر الأمريكان هذه الأيام الحديث عن حل الدولتين في عملية مركزة لنسخ ما سبق عن موقفهم المنسحب من هذه الفكرة منذ عشرات السنين وكأن الناس قد نسوا أن الرئيس بايدن ذاته أعلن أكثر من ذي مرة أن القضية الفلسطينية ليست قضية عاجلة وأن الحل يكمن في إنشاء حلف امني في المنطقة وتعزيز التطبيع في المنطقة مع الكيان الصهيوني.. وهنا ننتبه الى أي واقع يتم فيه طرح حل الدولتين من جديد.. انه يتم في ظل تزويد أمريكا لإسرائيل بأحدث الأسلحة الفتاكة لترتكب المجازر والإبادة الجماعية في قطاع غزة ويتم هذا كذلك في عجز!! الإدارة الأمريكية عن الضغط على وزير المالية الصهيوني للافراج عن مستحقات مالية للسلطة، ويتم هذا كذلك في ظل عملية استيطان جنونية في الضفة الغربية وقتل وعدوان مستمرين في قرى ومخيمات الضفة.. فلئن كانت الإدارة الأمريكية لا تبذل من الجهد ما يكفي لإرغام القيادة الصهيونية عن دقع مستحقات السلطة وإيقاف غلو المستوطنين وتحديد استخدام انواع القنابل الملقاة على رؤوس الفلسطينيين فهل يمكن ان يكون للحديث الأمريكي أي وجاهة في الحديث عن الدولة الفلسطينية..؟!!
ان ما تم من قبل قيادة الكونجرس ومجلس الشيوخ في استقبال نتنياهو المتهم من قبل محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات بأنه مجرم حرب انما يدل بوضوح ان نتنياهو إنما يعبر عن طبقة واسعة في الادارة الأمريكية التي فسحت له بالتعبير عن كل جنونه وكذبه بتصفيق مبالغ فيه ولقد أصبح نتنياهو في الملتقى سيدا أمام عبيد لدرجة انه شن هجوما عنيفا ضد ابناء الشعب الأمريكي الذين يمارسون حقهم في التعبير عن رأيهم فيما يجري في غزة فلقد نعتهم نتنياهو بأقذع الصفات.. وكانت لقاءات نتنياهو مع الرئيس والمرشحين للرئاسة في جو حميمي يضرب بعرض الحائط بأي أمل في نوايا الأمريكان بأنهم يمكن أن يلجموا الاندفاع الصهيوني في الأرض الفلسطينية.
وإن أبشع ما تم في الكونجرس أن يجلس المشرعون الامريكان الذين يعرفون كيف تكونت امريكا الحديثة يتلقون درسا في الاساطير القاتلة التي يتلوها عليهم نتنياهو فاقد الحجة والبيان المنطقي والواقعي والطبيعي فذهب الى استدعاء الأساطير والخرافات والتأويلات الدينية المنحرفة ليجعل منها مبررا لإبادته شعب فلسطين والاستيلاء على أرضها.. وبمقدار ما كان نتنياهو متوسعا في التذكير بالخرافات والأساطير بمقدار ما كان يؤكد عن ضعف المنطق والحجة وعن الخوف الوجودي والهزال السياسي ولا نريد ان نتوسع في ملاحقة تناقضات خطابه المكذبة ولكن نكتفي بأن نشير الى خطابه الخرافات والأساطير والجمل المنقوضة من جهة وان نشير الى هذا الملأ الذين وقفوا أكثر من 53 مرة تصفيقا لصفاقته.. وفي ظل عدم التوازن وعدم المنطق لا يتم وصفه بأنه إرهابي ومتطرف ومرجم حرب ومتخلف وعدواني الا في الشارع الامريكي الذي وجد في خطابه ذروة الانحطاط والانحراف والتزييف.
المواجهات الميدانية:
.. وهنا يكبر السؤال ويأتي اليهم من زاوية أخرى أي مستقبل للمعارك وأثارها على المشروع الصهيوني عقيدة و كيانا وفكرة..؟ كيف تفهم كل هذه العناوين على أرضية الواقع المحلي والإقليمي والدولي وعلى ضوء من جوهر القضية وطبيعتها..؟
يحب أن نمتليء يقينا بأن المفاوضات من أجل إيقاف إطلاق النار وتبادل الأسرى لم تكن لولا المقاومة المستمرة بضراوة منذ 10 أشهر.. يجب أن نمتلئء يقينا أن ما يتم من مفاوضات تقترب او تبتعد عن الوصول الى اتفاق لم تكن بجهد وفضل الوسطاء العرب وضغوطهم او عبقريتهم ولا بإنسانية بايدن إنما هي بوضوح لان الجيش الصهيوني تهشمت صورته ومعنوياته وتم إلحاق هزيمة أخلاقية وسياسية وميدانية به لم يسبق ان تعرض لمثلها هذا لا يعني أنه كان أخلاقيا في يوم من الأيام ولكن خديعته الإعلامية وصلت الى مساحات واسعة في العالم عن ديمقراطية إسرائيل وأخلاقية جيشها..
ورغم كل ما لحق بمخيماتنا ومدننا وقرانا إلا أن الكيان الصهيوني كذلك لحق به من الانهيار ما لم يكن يخطر بباله على الإطلاق فلم تستطيع الدول العربية صديقة الكيان ان تعوض له الخسائر الفادحة المترتبة على الحرب امنيا واقتصاديا وغذائيا فرغم تدفق الخضروات والفواكه والمعلومات من قبل العرب أصدقاء الكيان الا ان ترحيل أكثر من نصف مليون صهيوني خارج بيوتهم للشهر العاشر وتعطل غلاف غزة عن مهمته في ان يكون السلة الغذائية للكيان وإغلاق ألاف الشركات الصهيونية ورحيل اكثر من نصف مليون يهودي بلا عودة وتعطيل مجالات حيوية في الكيان بالإضافة الى الخسارة النوعية في الجنود والآليات بالإضافة الى كشف حقيقة الكيان الصهيوني لدى قطاعات واسعة في العالم وتحرر كثير من الدول من هيمنة الصهيونية وانضمامها الى الصف الفلسطيني هذا بالإضافة إلى الثورة العالمية لطلاب العالم لاسيما أمريكا.. ان كل ذلك هو الضاغط الحقيقي لقبول الكيان الصهيوني بالمفاوضات على إيقاف إطلاق النار.
ان المقاومة الفلسطينية تتوسع اليوم لتشمل اليمن وجنوب لبنان ومجموعات مقاومة عراقية وهذا ليس كل شيء بل ان استمرار الملحمة التي يدفع الشعب الفلسطيني فاتورتها الضخمة يعني بوضوح ان تعطيل برامج العدو في صناعة أحلاف أمنية في المنطقة بات بعيدا شيئا ما..
باختصار شديد وتركيز بالغ ليس أمام الفلسطينيين الا روايتهم الإنسانية المحقة التي بدأت تفرض نفسها على الوعي البشري والضمير الإنساني.. فلسطين من النهر الى البحر وفلسطين حرة والكيان الصهيوني العنصري هو حالة استعمارية تمت بالقهر والعدوان والجريمة.. وان التصدي لهذه الحالة الاستعمارية الشيطانية مكفول بكل الوسائل الملائمة والممكنة.. ا ن اي انصراف عن هذه الرواية الى حكايات نحسين المعيشة او حلول لقضايا تابعة وناتجة عن المعركة.. إنما هو تيه ومضيعة للدم والجهد.. وهنا يكون الانتباه الى عناصر القوة المطلوبة واولها الوحدة وتحسين الأداء السياسي والإعلامي وتوظيف الطاقات الفلسطينية والصديقة بجد ونشاط والتركيز المستمر على القضية دولة فلسطين وعاصمتها القدس وعودة اللاجئين والله غالب على أمره

اخر الأخبار