انهيار اركات اسرائيل

تابعنا على:   15:55 2024-08-02

صالح عوض

أمد/ معادلة لا يفهمها إلا من أصغى السمع لصوت الدم وهو يتفجر من شرايين الثوار والأحرار وهم يشقون طريق الحرية والكرامة للمستضعفين.. ولا يضرها أن يمعن القتلة في الجريمة، فإنّ كل قنبلة إضافية تسقط على رؤوس الأبرياء ستعجل من وضع الكلمة الأخيرة في قرار إنهائهم.. هي معادلة لا أكثر منها وضوحا عبر التاريخ البشري، و إنّها تصبح أكثر رسوخا بتقدم القادة الكبار صفوف الشهداء فذلك باختصار يعني أننا أمام عميق إرادة الكفاح وجلاء الإيمان بالهدف والطريق الى تحقيقه.. وها نحن نعيش هذا المنعطف التاريخي الذي يستحضر كل تلك المنعطفات التاريخية العظيمة في المسيرة الإنسانية.

الكيان الصهيوني وفيروس السعار:

ان الحالة التي يمر بها الكيان الصهيوني لا تشبه الا حالة السعار التي تصيب الكلب الأجرب والذي يصبح خطرا على نفسه فضلا عن كونه خطرا على الآخرين، ولقد بدأ الكيان الصهيوني بفقدان توازنه بين ما يريد وما يستطيع منذ استطاع 7 أكتوبر كشف نقاط الخلل المركزية في تراكب عناصر المكون الصهيوني.. وهاهي هيئة البث الإسرائيلية تقول عن قادة صهاينة: "أن خططهم ستقود في نهاية الأمر الى فشل مأساوي له عواقب غير مسبوقة".. والكلام نفسه يكرره العديد من قادة الأجهزة الأمنية، وقادة الأحزاب والمفكرين والصحفيين والمحليين الصهاينة..ولعل الواقع الميداني في جبهات القتال وفي داخل الكيان الصهيوني بكل مؤسساته يكشف بوضوح إننا أمام سلوك جديد للإدارة الصهيونية..
ولعل أخطر ما يواجهه الكيان على صعيده الداخلي أن "إسرائيل" لم تعد كيانا واحدا بعقيدة أمنية سياسية واحدة.. انما هي قد أصبحت"اسرائليتان" واحدة في أراضي فلسطين المحتلة منذ عام 1948 حيث يتركز العلمانيون ومؤسسات الكيان الاقتصادية والسياسية والأمنية.. وأخرى في أراضي الضفة الغربية حيث يتركز المستوطنون المتزايدون بشكل سرطاني مستغلين اجواء التهدئة التي وفرها اتفاق أوسلو.. ولقد تجلى هذا الانفصال بين الكيانين في الأيام الأخيرة عندما حاول المستوطنون واليمين اقتحام معسكرات الجيش الاسرائيلي اثر توقيف بعض الجنود الذين شاع عنهم ارتكابهم لانتهاكات لم يستطيعوا تغطيتها.. كانت لحظات قوية تكشف عن عميق الأزمة بين الكيانين يزيدها خطورة تسليح بن غافير للمليشيات اليمينية بالسلاح خلال الفترة القريبة السابقة.. ومن الواضح ان المستوطنين في الضفة يحاولون بقوة فرض واقع سياسي جديد انه باختصار تشكيل كيان مستقل يقود الكيان الصهيوني خلفه في عملية واسعة لترحيل الفلسطينيين من الضفة وفرض كيان بتطرف يهودي موغل في الارهاب والعنف والجريمة.
هذا الوضع ليس عابرا بل هو يعني بوضوح أن تطور الشر في الكيان الصهيوني وصل الى الحالة المعقدة المستفحلة التي تفقد الكيان الصهيوني أي مسوغات ديماغوجية عن كونه كيان الحريات والديمقراطية التي روج لها كثيرا وهاهو يخسر مواقع عديدة في العالم كانت في قائمة الأصدقاء التقليديين للكيان.. ولقد أدى سلوك الجيش الصهيوني والمستوطنين وزعمائهم الى تفجير ثورة عالمية في الضمير الإنساني والوعي الإنساني في عواصم العالم لاسيما الغربي وعلى الخصوص في أمريكا..
لم يكن هذا المتكامل من الانهيار النفسي والإفراط في الجريمة الا انعكاسا لحجم الخسارات الفادحة التي تنذر بالانهيار التام اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا رغم التفوق الكبير في ميدان الحرب من حيث الذخيرة والأسلحة والقتل.. وفي هذا ينبغي عدم اغفال ما للمقاومة الفلسطينية من اثر على تعميق الإحساس باليأس والفشل فهاهي الاشهر العشرة على بدأ العدوان الصهيوني على غزة تمر بكل قسوتها على الشعب الفلسطيني ولكن المقاومة لم تنكسر بل تثبت يوما بعد يوم عن قدرتها واقتدارها على إلحاق أفدح الخسائر باليات العدو وخططه العسكرية وجنوده الذين تحول الآلاف منهم الى المصحات النفسية.. فيما يتواصل التدهور في كل مناحي الحياة ليتكشف اليهود ان الكيان الصهيوني وصفة للشقاء والضنك مما يفسر رحيل مئات آلاف الصهاينة نهائيا الى دول الغرب.. ولازال الحريديم يهددون بالرحيل إن تم إجبارهم على التجنيد في الجيش وبذلك يتم الكشف عن حجم الإغراءات التي تمت لمكونين الكيان الصهيوني ولكن هذا وقت انتهاء الإغراءات.. هذا وقت دفع الثمن، الذي تتبخر معه كل الأوهام والأحلام التي وزعت على المهاجرين اليهود لفلسطين.. هذا وقت دفع الثمن الذي يبدأ من حيث النقطة صفر في تكوين هذا الكيان الصهيوني انه باختصار الاختيار الخطأ الاستراتيجي للمكان، وانه كذلك الخطأ الاستراتيجي في جعل اليهود أداة للنظام الدولي المالي الذي وجد في حشد اليهود على أرض فلسطين وتزويدهم بالات القتل ضمانة لتحقيقه استراتيجيته في تدمير العرب والمسلمين وتفتيت بذور انطلاقتهم واستئنافهم مسيرتهم الإنسانية.. انه شعور بالخيبة العميقة في قطاعات واسعة من أعضاء الكيان الصهيوني وكل من يدير التفكير قليلا منهم يجد ان الرحيل ضروري وحتمي وان الزمن لا يسير في مصلحة وجودهم على أرض فلسطين.. وان الخروج من فلسطين الآن هو المنجى المنطقي والواقعي قبل ان يستفحل امر المواجهات مع ساحات متعددة في المنطقة بحيث تم التأكد أن فلسطين ليست معزولة رغم كل ما حاولته الادارات الامريكية بان تجر الحكام العرب الى تطبيع شامل وتخادم امني مع الكيان الصهيوني.. فلقد أثبت طوفان الاقصى ان الشعوب العربية جاهزة تماما متى توفر الظروف ان تكون بكل قوتها في المعركة وليس أدل على ذلك من اندفاع اهل اليمن الذين يمرون في اقسى الظروف الى ساحة المعركة المركزية وكذلك فان اقدام المقاومة اللبنانية رغم ظروفها المعقدة يعني بوضوح ان فلسطين تقع في المركز من الضمير والوعي والمقدس لابناء الامة.. وها هي صواريخ اليمنيين واللبنانيين والعراقيين تصل الى أماكن عديدة في الكيان الصهيوني وهم يعلمون ان استمرار المعركة وان الزمن يسير الى تطور ادوات المقاومات وان المعارك ستتوسع ويزداد عنف ايقاعها.

المقاومة في طور جديد:
ما أسخف من جعل إعلام العدو وسرديته وهيجان الظلم وانتفاخ المجرمين قاعدة لتفكيره ومحددا لرؤيته .. وما أسخف من جعل مستقبل الأحرار والثوار وأصحاب الحق رهينا بمنطق جعجعة الطاغوت وقراره وان التضحيات الجسيمة التي يتكبدها صف الأحرار والثوار نقطة ضعف للمقاومة والشعب.. وانه لضعيف ومهزوز وغير واع كل من اعتقد انه بغير التضحيات الجسيمة يمكن ان نسترد فلسطين أي يمكن أن نكسر طغيان النظام الدولي على المنطقة.. ان أولئك تنقصهم المعرفة بطبيعة القضية الفلسطينية فهي ليست قضية تحرر وطني فقط فهذه مسألة تحصيل حاصل.. إنما هي قضية مواجهة عنيفة شرسة ضد النظام الدولي الذي اسقط الخلافة العثمانية وصنع سايكس بيكو وغرب المنطقة وعلمنها وانشأ واقعات سياسية هجينة في الأمة ليتم سرقة خيراتها وتفتيت مكوناتها الإثنية وزرع الفتن والقلاقل في أوساطها.. هذه هي القضية الفلسطينية وليس الكيان الصهيوني رغم ما يبدو من قوته وتفوقه وعنفه الا الوجه المباشر فقط للعدو الحقيقي.. ولئن كتب على أهل فلسطين ان يكونوا في الخط الأمامي في الملحمة فان المعني بالمعركة كل قوى الأمة رغم الغياب المذهل الذي نرصده في واقع المجتمع العربي والمجتمعات الإسلامية عن أداء فرض المقاومة.. رغم ما ينتاب أهل فلسطين من خيبة أمل في الوضع الرسمي العربي من حكومات وأحزاب إلا أن استمرار المواجهات سيفتح مساحات جديدة من التفاعل الشعبي وهنا لا يمكن إغفال ما صنعته مقاومة الشعب الفلسطيني في الراي العام العالمي لاسيما الغربي الذي بدأ في التفكير عمليا بتغيير السردية الصهيونية الموغلة في الخرافة والجريمة..

إن الذين لم يستوعبوا مرتكزات التصميم واليقين لدى المقاومة الفلسطينية والشعب الفلسطيني إنما هم ليسوا فقط فاقدي الوعي بعناصر القضية الفلسطينية وامتداداتها إنما هم أيضا لم يتعظوا من قصص الأنبياء وسيرة المصلحين وثورات الشعوب، و قوانين الطبيعة.. فإنه لحري بالقضية الفلسطينية أن نعلن بوضوح أنها قضية الإنسان كل الإنسان في الأرض كل الأرض.. وان حملها ثقيل ثقيل ولا يتقدم نحوها بوعي وإيمان الا ذو حظ عظيم.. ففي الطريق إليها سقطت او انحرفت كثير من الحركات والأحزاب والحكومات .. انها ليست سفرا قريبا ولا هدفا محدودا إنما بعدت الشقة عليهم فكان التخلي عنها في منتصف الطريق او بداياته.. وهذه المعاني تمنح المناضلين الثابتين التميز الذي يؤهلهم لإحداث الثغرة في السد المنيع لتندفع الامة بما تملك من قيم ومنهج الى عالمية عربية إسلامية ثانية تطلق رصاصة الرحمة على تحكم الصندوق الدولي واستعباد البشر وتقدم للانسان في كل مكان الفرصة ان ينطلق لحريته وكرامته الإنسانية لتحطيم هيمنة الطواغيت العالميين وأنظمتهم العنصرية، وتقضي على معاقل الفساد العالمي.. انها قضية فلسطين صراع بين تمام الخير وتمام الشر والانتصار فيها ينعم به الإنسان حيث هو برحمة وعدل وكرامة وهذا ما يفسر تحرك الأحرار في الولايات المتحدة الأمريكية وهتافهم لحرية فلسطين من النهر الى البحر.. اليوم التالي هو انكسار للكيان الصهيوني على طريق انهياره.. والله غالب على أمره.

اخر الأخبار