طبول الحرب .. طبول السلام
كتب حسن عصفور / ليس جديدا الحديث أو تناول مسألة انتشار أجواء الحرب في المنطقة التي تشكل مخزونا هائلا للتحكم والسيطرة ، نفطا ومالا وموقعا ، ولا تقتصر هذه الأجواء على بلد محدد كإيران مثلا ، بل إن رياحها تحيط بمواقع المنطقة من عدة أركان ، حيث التجاذبات التي تتفاعل بصمت حينا وبحركية هائجة حينا آخر ..
ولعل البعض اعتقد أن هذه الأجواء العسكرية الساخنة ستخف تدريجيا مع انقشاع الحالة ' البوشية' في الولايات المتحدة بانتخاب رئيس قاد حملته الانتخابية معارضا لما زرعته الإدارة في عهد بوش الابن ، وكسب بسرعة جنونية سباقا لم يكن يخطر على بال عاقل قبل سنوات ، ربح وانتصر في آن ، ربح حربه ضد ' الظلامية' الأمريكية في عهد أشبه بعهد ظلامي سابق ' مكارثية' الخمسينيات ، لكنها لم تكن محلية في الفترة المعاصرة ، وانتصر على مخزون ثقافي في منتهى التعقيد ، بانتخاب رئيس أسود ، مختلط الأديان والثقافات ، كأمريكا ذاتها ، هزم كل من وقف في طريقه .. فاعتقد البعض الحالم بأن الشخص فوق المؤسسة ( ثقافة شرق أوسطية يختزنها الحاكم ومعارض الحاكم ) وستذهب غيوم تحوم بمطر من قذائف وصورايخ ونيران حرب قد تكون الأشمل منذ حرب العام 1967 ، والتي جاءت أساسا للخلاص من نظام وطني تحرري متصادم مع مشروع ' الهيمنة الأمريكية' ، نظام الخالد جمال عبد الناصر ..
بالأمس ، دعا مستشار شؤون الأمن القومي بريجنسكي في عهد الرئيس كارتر ، وهو يهودي من أصل بولوني ، وكان من أشد الفاعلين لانتخاب أوباما ، دعاه إلى حسم موقفه في السياسة الدولية وأن يتوقف عن التردد ، دعوة صريحة لحسم الملف الإيراني الذي بات على ' شفير حفرة من نار' ، وهو ذات الموقف من غالبية من أيدوا أوباما ، دعوة صريحة تلتقي بشكل مباشر ودون خجل أو حياء مع المطلب الإسرائيلي الصريح بضرب إيران عسكريا والاستفادة من الوضع الداخلي بها ، ضربة لن تقف عند هذه الحدود ، مهما كانت قوة الضربة وتركيزها لشل ' قدرة الردع أو رد الفعل الإيراني ' ، فستطال جانبا من العراق وبعض خليج العرب ، رغم كثافة التحضير النوعي العسكري الأمريكي – الإسرائيلي هناك ، ولن يسلم لبنان منها ، شاء الحريري وتحالفه أم أبا ، فحزب الله لن يقف مكتوفا متفرجا على ضرب النظام الإيراني مهما كان الحرص على لبنان ووحدته ، فهو قبل الآخرين يدرك أن زوال ' الخامنئية ' واستبدالها ' بأي عمة سوداء أخرى بعد الضربة الأمريكية تعني فعليا انتهاء ' دولته الخاصة' في لبنان ، رهان راهن عليه البعض في صفقة ' المصالحة الداخلية' تنازلات مؤقتة إلى حين ..
وتبقى سوريا وفلسطين ، تحت نوازع مختلفة ، حيث لإيران حليفان فيهما ، يعتقد البعض أنهما لن يصمتا على ضرب إيران ، وهو ما يعني وصول المواجهة العسكرية منحدرا حادا جدا ، ولكن وبقراءة أكثر هدوءا من فورة غضب' وبملاحقة ما يصدر عن كل من سوريا وإسرائيل من كلام ' حربي جدا ' يهدد كل منهما الآخر بقدرته على إلحاق ما لا يحمد عقباه بالآخر ( ربما الفلسطيني والعربي يتمنى فعلا أن تقوم سوريا بتنفيذ قدرتها العسكرية علها تريحنا من غطرسة العدو الجاثم فوق صدورنا .. هي أمنية لا أكثر ) ، لكن مؤشرات الكلام الحربي جدا ، لا تقود إلى الفعل العسكري بل ربما هو أقرب كثيرا منه إلى أجواء السلام .. تسخين حواري لم يهدأ منذ تصريح براك عن ' الحرب' بديلا لفشل التفاوض ، ورياح الكلام الساخن تأتي من هنا وهناك .. كلام يرتفع بحرارته جدا ، وكأنه لحظة قبل الانفجار .. ولكن كلا الطرفين لا يبحثان حربا فلا سوريا تريدها ، رغم قوة الكلام، لأسباب ليست مجهولة سوى للمواطن الذي ينفعل بكلام حار ربما ، ولا إسرائيل لأنها تدرك أن حربها مع سوريا لن تجلب لها ما تريد .. كلاهما يتحدث ' حربا' وينشد التفاوض والسلام .. وليس سهوا سياسيا أن تعود أمريكا لفتح ملف ' التفاوض ' على عدة مسارات ، وهو ما كان مرفوضا أمريكيا وإسرائيليا وسوريا أيضا سنوات ماضية ، كل بذريعته الخاصة ، لكنه الآن بات مطلبا لهم جميعا ..
سوريا التي تعيد منذ أشهر صياغة علاقاتها الإقليمية وفقا لنغمة ' طبول الحرب' وتستعد لتناغمها مع ' طبول السلام' الأمريكي القادم ، لن تسمح بجرها إلى حرب دفاعا عن أحد ومن أجل أحد مهما كان هذا الأحد.. إلا من أجلها هي والنظام ولا غير ذلك .. معادلة مشتقة من سلوك انبثق من نهج ' الحركة التصحيحية ' العام 1971 وما زال .. وليبرمان بتهديده لسوريا ضمنها رسالة يرددها كل حاكم في إسرائيل ترسل بين حين وآخر ..
أجواء حرب قادمة ، يبدو أنها باتت حتمية ، لكن غير الحتمي فيها ، هو أين سيكون الفلسطيني بعد ذلك .. سؤال ما زال عالقا بين سذاجة الكلام التقليدي وسطحية رؤية البعض المصاب بزكام غياب الوعي الفطري .. طبول تدق هنا وأخرى تدق هناك بين حرب وسلم ومعادلة الفلسطيني لا تعرف أين هي .. وكأن ما يجري لا صلة له بها .. فلا 'طبل حرب' ولا 'طبل سلام' في الأفق ..
ملاحظة : يوما بعد يوم تؤكد حماس أن الارتباك هو سمة مواقفها .. فبعد الاعتذار المكتوب في تقريرها ، أدركت ما به من عيب أخلاقي ، فلجأت إلى ' نكتة الموسم ' هنية لا يمثل الزهار ولا الحية ولا الجعبري وطبعا مشعل .. يا مثبت العقل والفكر والدين استرنا ..
تنويه خاص : مصافحة الأمير السعودي تركي الفيصل لمسؤول إسرائيلي .. ليست مجاملة إنسانية بالتأكيد .. هل من تفسير من شقيقه الأمير سعود.
التاريخ : 7/2/2010
