القائد سعد صايل في ذكرى اغتياله الـ 42 توقع مخطط الاحتلال تجاه غزة والضفة ولبنان

تابعنا على:   19:16 2024-09-28

علاء المشهراوي

أمد/ لا تكمن عبقرية القائد الفلسطيني الشهيد  سعد صايل "أبو الوليد"، الذي اشتهر بلقب مارشال بيروت، في تمتعه بشخصية عسكرية تتمتع بالقدرة القيادية الملهمة، بل تمتد الى القدرة على قراءة المشهد السياسي بعمق وببعد نظر، فقبل 40 عاما، توقع هذا القيادي الفذ ان اسرائيل لن تتوقف عن شن عدوانها المتواصل ضد غزة والضفة لتمرير مخططاتها لتصفية القضية الفلسطينية، وضد لبنان لإخراجه من دائرة الصراع.

وتأتي أقوال الشهيد الراحل القائد سعد صايل، الذي يعد واحدا من أبرز العسكريين والمناضلين في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة في الذكرى الـ42 لاستشهاده، السابع والعشرين من أيلول/ سبتمبر، تزامنا مع عدوان الاحتلال في الاراضي  الفلسطينية واللبنانية، حيث أكد ببعد نظره الثاقب ان اسرائيل لن تقبل باي نوع من انواع السلام،  لتحقيق اهدافها السياسية المتعددة له بما يشمل التواجد الفلسطيني في لبنان، وفرض الحكم الذاتي وانهاء القضية الفلسطينية وتوجيه ضربة قاصمة للقوات والمقاومة الفلسطينية.

ولد سعد صايل في قرية كفر قليل بمدينة نابلس عام 1932، وتلقى دراسته في مدارس نابلس وحصل على شهادة الثانوية العامة عام 1950، ثم التحق بالكلية العسكرية الأردنية عام 1951، حيث تخصص في الهندسة العسكرية.

كما رأى القائد الراحل في مقابل تلفزيونية برفقة الشهيد ابو جهاد، ان لدى اسرائيل اطماع في لبنان وستواصل العدوان عليه بغية الوصول الى اتفاق سياسي لان دولة لبنان قريبة جدا جغرافيا من الاهداف الاستراتيجية الحيوية داخل اسرائيل، وذلك بهدف اخراج لبنان من دائرة الصراع، من اجل توجيه ضربة لمنظمة التحرير وابعاد المنظمة عن الحدود الشمالية وتمرير مخططاتها في الضفة الغربية وقطاع غزة، مستدركا ان القوات الفلسطينية لا يمكن القضاء عليها لأنها تنتهج اسلوب الحرب الشعبية من المستحيل القضاء عليها.

تمتع الشهيد ابو الوليد بعقلية استراتيجية وشخصيه خاصه وعمل دوما على نقل مستوى قواته إلى مستويات عاليه لتكون قوه ضاربه ومدربه ومحصنه وان تكون قوات خاصه وقوات نخبة، لمواجه عدو يستعمل أقصى إمكانيات القوه والعتاد والتكنولوجيا وذلك ليحقق تناظر موجعه في هكذا عدو.

وقد أرسى القائد صايل قواعد جديده لحزب العصابات المنيعة والمتطورة من ناحيه العتاد والتدريب المستمر وهاذا ما جعل الصمود في بيروت لهذه الفترة الزمنية الطويله نسبيا واستطاع ان يصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار والخروج بقواته دون ان تدمر واعاد تجميعها من جديد كي تعود إلى المواجهة من جديد مستثمرا خبرته الطويله مع عدو متوفر له دعم بلا حدود ولا سقف للحصول على التكنولوجيا والتسليح من دول عظمى فكان دائما يتطلع للصمود والالتفاف على اي إمكانيه للعدو لانهاء الوجود الفلسطيني ليحافظ على الهدف الاستراتيجي وهو استمرار وضع القضية الفلسطينية على اجنده العالم بقوه ليحقق الصمود العسكري يذلك.

يأتي ذلك على خلفية التحاقه بالعديد من الدورات العسكرية ذات المستوى الرفيع والمتطور التي عقدت في بريطانيا، ومصر، والولايات المتحدة، والعراق، والاتحاد السوفييتي، والعديد من الدول الاشتراكية، ذات العلاقة بجوانب متعددة، من بينها: الدفاع الجوي، وتصميم الجسور وتصنيفها، كما واصل عمله في الجيش الأردني في أعقاب قيام إسرائيل باحتلال الضفة الغربية 1967، وكان له دور في معركة الكرامة التي وقعت بتاريخ 12 آذار/ مارس عام 1968.

يقول المناضل المغربي لحسن أيوبي عن ذكرياته مع الشهيد سعد صايل: كان التحاق القائد سعد صايل بالثورة الفلسطينية إضافة نوعية مهمة للثورة على المستوى العسكري تعزز استراتيجية وتكتيك الثورة في مواجهة جرائمه المتلاحقة، وكان هذا الالتحاق في ظرف دقيق تعرفه الثورة الفلسطينية وكل فصائلها بعد انتقال قوات الثورة من الأردن إلى لبنان حيث وجدت حاضنة قوية بلبنان وفّرتها القوى الوطنية اللبنانية وعلى رأسها القائد التقدمي الكبير الشهيد كمال جنبلاط، كما غذّتها مخيمات اللاجئين الفلسطينيين الموزعة على أرجاء التراب اللبناني.

وقد كان سعد صايل القائد الصامت يراكم التجارب والانتصارات في علاقته بالقادة الميدانيين في الجنوب، ومن أبرزهم أبو موسى وعزمي صغير وبلال والشبل حسن وقادة آخرون.. حيث جعل من قوات الثورة وفصائلها المسلحة قوة يحسب لها الحساب لدى جيش الاحتلال الإسرائيلي، ولدى القوى المتآمرة على الثورة سواء قوات “سعد حداد” أو قوات “أنطوان لحد” أو ميليشيا القوات اللبنانية ذات النَّفَس الفاشي. وتعتبر هزيمة قوات لواء غولاني سنة 1978 وهي أعتى قوات الجيش الصهيوني، ثمرة عمل غرفة عمليات سعد صايل ودليلا على براعته في التواصل الجيد مع قوات الثورة وقادتها في الجنوب، رغم أن هده العملية سوف تخلق صراعا أدى إلى إلحاق أبو موسى بغرفة العمليات كمساعد لسعد صايل وإبعاده عن قيادة وقوات كان تكن له التقدير لحنكته وتمرسه.

وقد برزت حنكة غرفة العمليات بقيادة سعد صايل أثناء ملحمة بيروت صيف 1982، حيث أبلت الثورة الفلسطينية في التصدي والصمود للحصار العسكري للجيش الاسرائيلي الذي حاصر بيروت الغربية وباشر قصفها بالطيران والمدفعية على مدار الساعة مدة أكثر من ثلاثة أشهر لم يستطع معها جيش الاحتلال التقدم لاختراقها. حيث تحولت الجولة السريعة التي روج لها رئيس وزراء العدو الإرهابي مناحيم بيغن ووزير الحرب أرييل شارون إلى كابوس مرعب لجيش الاحتلال الذي تزايدت خسائره بشكل فظيع.

تدرج سعد صايل في رتبه العسكرية، حيث أسندت إليه قيادة لواء الحسين بن علي، وهو برتبة عقيد ركن، وانتقل بعدها إلى لبنان، لينضم إلى صفوف الثورة الفلسطينية عام 1971، وكان له دور بارز ومهم، نظرا لخبرته العسكرية في إعادة بناء الأجهزة العسكرية للثورة الفلسطينية، وتدريب القوات، من أبرز العمليات التي أشرف عليها أبو الوليد كان أسر ثمانية جنود إسرائيليين، التي مكنت الثورة الفلسطينية من تحرير أسرى معسكر أنصار.

عين مديرا لهيئة العمليات المركزية لقوات الثورة الفلسطينية، وعضوا في القيادة العامة لقوات العاصفة، وعضوا في قيادة جهاز الأرض المحتلة بعد أن تمت ترقيته إلى عميد، كما تم اختياره عضوا في المجلس الوطني الفلسطيني، وانتخابه عضوا في اللجنة المركزية لحركة "فتح"، وذلك بمؤتمرها الذي عقد في دمشق عام 1980.

ويواصل ايوبي حديثه قائلا: بعد اتفاقية المبعوث الأممي فليب حبيب التي قضت بخروج قوات الثورة الفلسطينية من بيروت والتوجه نحو الجزائر وتونس واليمن، رفض سعد صايل الخروج مع القيادة الفلسطينية، حيث بقي بلبنان لتنظيم قوات الثورة في البقاع والشمال، وكذا ترتيب الحماية للمخيمات الفلسطينية.. وبشجاعة ومعنويات عالية كان يتجول على مواقع المقاتلين والقوات التي كانت خارج بيروت لإعادة تنظيمها وانتشارها وفق ما تفرضه الظروف الجديدة.

ويتابع: في هذا الظرف بالضبط  كتب لنا التعرف على القائد سعد صايل، فقد كنا مجموعة من المقاتلين المغاربة المتطوعين في صفوف الثورة الفلسطينية بمعية مجموعة من المقاتلين الشباب الفلسطينيين المقيمين بالمغرب، تم نقلنا من منطقة المرج إلى معسكر قرب مدينة زحلة يشرف عليه القائد الفتحاوي أبو خلوي. وقد كنت في نوبة حراسة من الثانية إلى الرابعة صباحا بباب المعسكر وإذ بسيارة “رانج روفر” بيضاء تقف فجأة أمام الباب. طلب مني السائق بهدوء رفع الحاجز والسماح لهم بالدخول. رفضت في البداية، فنزل السائق ونزل من يركب الى جانبه. وقال لي السائق وهو يشير إلى من كان معه.. إنه القايد سعد صايل..ابتعدت إلى الوراء ويدي على زناد بندقية كلاشينكوف، وأجبتهما قائلا: عندي أمر عسكري أن لا أحد يدخل ولو كان أبو عمار.. ابتسم القائد سعد صايل وأشار على مرافقه بيده بهدوئه المعروف وبشكل ودي.

ناديت على مسؤول الحراسة، الذي فوجئ بالموقف، وقال لي إنه القائد أبو الوليد (سعد صايل). لكن السائق والقائد أبو الوليد، أخبرا المسؤول عن الحراسة بأنه لا تثريب علي، ما دام أنه لم يقم إلا بالواجب، دخلوا المعسكر حيث عقدوا اجتماعا، وتناولوا الفطور مع الشباب، وهو اللقاء الذي ما زال صديقيّ كمال بلحسن ومحمد أبوبكر يتذكرانه بتفاصيله.

كانت هذه أول مرة نلتقي فيها مباشرة بقائد كبير في الثورة الفلسطينية، الذي لم يكن إلا قائد غرفة العمليات ومسطر ملحمة بيروت الشهيد سعد صايل (أبو الوليد)، وبعد أسبوعين تقريبا من هذا الحدث جاء خبر استشهاده في البقاع على طريق بعلبك شتورة، وباستشهاده قبل ست وثلاثين سنة من اليوم خسرت الثورة الفلسطينية واحدا من أكبر خبرائها الاستراتيجيين وقياديها الكبار على المستويين العسكري والسياسي. ليلتحق بلائحة طويلة من الشهداء الذين سقوا بدمائهم طريق الحرية الطويل نحو فلسطين.

في يوم الاثنين 27 أيلول عام 1982 أول أيام عيد الأضحى، فتح مسلحون النار على موكب "أبو الوليد" الذي كان يضم ثلاث مركبات، واستشهد فيه سائق المركبة الأولى، وأصيب أبو الوليد الذي كان في السيارة الثانية بالفخذ الأيمن، وتعرض لقطع في الشريان الفخذي، واستشهد أبو الوليد في تمام الساعة الحادية عشرة مساء في مستشفى المواساة بدمشق، بعد أن توقف قلبه إثر النزيف الشديد الذي تعرض له، وسجي جثمانه الطاهر في مقبرة مخيم اليرموك.

بعد انسحاب مقاتلي منظمة التحرير من بيروت عام 1982 عقب التوصل لاتفاق، توجه سعد صايل إلى سوريا من أجل التخطيط لتجميع القوات الفلسطينية المنسحبة من بيروت، ونقلها الى منطقة البقاع اللبنانية حتى يعاد تشكيلها بالشكل الصحيح، وأن تباشر عملها العسكري ضد الاحتلال الاسرائيلي، وتركز فكره على توجيه العمليات المباغتة ضد قوات الاحتلال المتواجدة في البقاع الغربي، أو عمليات قصف بالأسلحة الصاروخية. 

اخر الأخبار