غزة غزت العالم
د.جمال عبد الناصر محمد أبو نحل
أمد/ ضاربة جذورها في عُمق الأرض، وفي عبق أنصع صفحات التاريخ البشري القديم، والمُعاصر؛ إنها غزة المكلومة، الشهيدة التي تتعرض مع شعبها لأبشع محرقة عرفها التاريخ البشري، ولهولوكوست الإبادة الوحشية من عصابة العدو الصهيوني الهمجي المجرم الخنزيري، منذ أكثر من عام؛ والذي لم يترك مجزرة صغيرة ولا كبيرة إلا وارتكبها!؛ حيث ارتقي أكثر من خمسة، وخمسين ألف شهيد تقريبًا مع عدد الشهداء الذين لا يزالون تحت أنقاض ركام بيوتهم المقصوفة، والمدمرة!. ومئات ألاف الجرحى، والثكالى، والأرامل، والأيتام، ولقد أحرق عصابة الوحوش المحتلين الصهاينة الأخضر واليابس.. إن غزة لم تغزو العالم عسكريًا، ولم تجتاح العالم بالدبابات، أو الطائرات الحربية، ولا بِالمُسَيََراَتْ، ولكنها غزت العالم إنسانيًا، والذي خرج بمسيِرات إنسانية حاشدة؛ فغزة المظلومة المكلومة المنكوبة غزت العالم عقليًا، وروحيًا، وفكريًا وسكنت في قلوب العالم، ولم يبقى بيت وَبرٍ، ولا حجرٍ إلا وقد عرف مدينة غزة التي تصدرت كل وسائل الإعلام العالمية منذ أكثر من عام؛ فلم تكن الدماء الزكية المسفوحة من ألاف الشهداء الأطفال، والنساء الأبرياء لتذهب هدرًا، وهباءً منثورًا، أو تكون نسيًا منسيًا؛ ولكن تلك الدماء الطاهرة النقية الزكية صارت صيحة، وصرخة مُدوية تُزلزل الظالمين من فُلولِ عصابة المحتلين، وتُطاردهم في يقظتهم، وتَقُض مضاجعهم في منامهم، ليوم يُبعثون.
نعم صَحيحٌ إن المًصاب في غزة جلل، والمُصيبة كبيرة، وعظيمة، والجراح غائرة، وعميقة، والدم المسفوح غزيرٌ، وكثير وفقدان الأهل، والأقارب، والأحباب، والأصحاب، والجيران كبير، والألم عظيم، وصحيح لم يبقى في غزة حجر على حجر، وقد دُمرت البيوت، والمنازل والقصور، وتحولت أغلب الشوارع في غزة قبور، بسبب قصف العدو الصهيوني المجرم للمساجد، والجامعات، والمدارس، وكل شيء في غزة، وكأن المدينة أصابها زلزال، يتبعهُ زلزال آخر دون توقف؛ ولكن لسان حال شعب غزة الصابر المكلوم المظلوم من وسط الركام، وخيام النزوح يقول:" إن عشت فعش حُرًا أو مُت فمُت وقوفًا كالأشجار"؛ ولكن ولنكون مُنصفين للسان حال الشعب في غزة، والذي تحمل ما لا تتحمله الجبال، فتعرض لظُلم من القريب، وظلم من البعيد؛ حيث أن بعض التجار الفجار تجار الدم، والدين يغالون في الأسعار، ويحتكرون السلع، والبعض الأخر هو الحاكم، والجلاد يسيطر على كل شيء، فإن سرق الفقير ليطعم أسرته، وأمسكوا به ضربوه، وربما قتلوه، وما رحموه!؛ وإن البعض ممن يحملون السلاح، ومن بعض العصابات ظالمين لأنهُ إن سرقوا شاحنات المساعدات الإنسانية التي هي أصلاً قادمة لشعب غزة هم، ومن معهم تركوهم، وساندوهم، وحَمُوهم!؛ وتركوا الناس هائمة في الخيام، دون راحة في المنام، مع نقص عندهم في الشرابِ، والطعام، ومعلوم إن حياة الناس في الخيام صعبة جدًا بل كالمحكوم عليه بالإعدام!. واليوم أهل غزة لا بواكي لهم، وليس لهم إلا الله عز وجل؛ فبعدما هب العالم كله في مظاهرات نصرة لهم، سرعان ما خبث نارهم، وانطفأت، وتوقفت تلك المظاهرات الداعمة لشعب غزة، وخاصة في الدول العربية، والإسلامية، وكأنهم نيام فلا كلام منهم، ولا سلام؛ وحال بعضهم أركنوا للحياةِ الدنيا، وللنساء، والعشيرة، والأموال، والتجارة، ومصالحهم، ونسوا شعب غزة، وكذلك لبنان الذي يقصف، ويذبح مع غزة في هذا الأوان!؛ وصدق الله العظيم القائل: "قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ"!؛ وأما عن حال الحكام العرب والمسلمين فهو أسوأ حال من الشعوب التي تركت غزة تقتل، وتُباد بدم بارد؛ ولكن الدنيا دوارة والدور سيأتي على الجارة. فهذا الاحتلال النازي الفاشي القبيح الخبيث الصهيوني المجرم لم، ولن يقف على حدود فلسطين أو لبنان، إن لم نتوحد جميعًا ونتصدى لهم وللغرب الذي يدعمه؛ فالكيان الصهيونية ما هو إلا كلب حراسة أجرب مسعور مزروع لتنفيذ مخططات، ومصالح الغرب في قلب الوطن العربي فلسطين، وصدق المثل القائل: " أكلت يوم أكل الثور الأبيض"؛ فطالما تركتم العدو يتغطرس، ويعربد، ويقتل فلن يتوقف عن هذا الحد، إن لم تتحرك الأمة، والحكام العرب، ويفيقوا من سُباتهم العميق، وليعلموا أنهُ من فرط في فلسطين فليراجع عقيدته، وإيمانهِ، وشرفه؛ وبعد هذا الخذلان لغزة، والأقصى الشريف ولكل فلسطين الطاهرة المقدسة أرض المحشر، والمنشر، وأرض الإسراء، والمعراج، والأنبياء؛ وما تمُرْ به فلسطين اليوم يذكرنا بِما قاله الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر: " لا أحترم الزعماء العرب لأنهم يملؤون الدنيا ضجيجًا، وصياحًا باسم فلسطين، والقضية الفلسطينية، ولكن طوال مدة حُكمي تقابلت مع الكثيرين منهم، ولم يناقشني أحد منهم إطلاقًا في إقامة دولة فلسطينية"!؛ وختامًا إن التاريخ لن يرحم كل من وقف يتفرج على شعب فلسطين وهو يباد؛ وصدق الشاعر حينما قال: "وإذا تركت أخاك تأكله الذئابُ، فاعلم بأنك يا أخاه ستُستَطابُ، ويجيء دورك بعده في لحظةٍ، إن لم يجئْكَ الذئب تنهشكَ الكلابُ، إن تأكلِ النيرانُ غرفة منزلٍ، فالغرفة الأخرى سيدركها الخرابُ"؛ فلا تتوقوا عن دعم شعب غزة والضفة، والقدس، وكل فلسطين، ولبنان، ولا تكون مظاهراتكم كغيمة صيف عابرة، فعصابة العدو الصهيوني النازي المجرمة لا تزال تقوم كل لحظة بالقصف وإبادة الشعب الفلسطيني، فعليكم العمل بكل قوة، وعلى قلب رجُل واحد لوقف الحرب على غزة، ولبنان، ولتتوحد كل الجهود العربية، والإسلامية، والعالمية من أجل لجم هذا العدو الصهيوني المجرم الجبان القاتل، ورغم كل الألم، والجراح النازفة من خاصرة الوطن السليب، ستبقى غزة شوكة في حلق العدو، وستعود أجمل مما كانت عليه، وأما الذين ارتقوا فنحسبهم شهداء أحياءٌ عند ربهم يرزقون؛ فيا أمة فوق المليار هبوا لدعم غزة والاقصى الشريف، قبل أن يأتي يوم تندموا، ولا ينفع يومها الندم، فغزة التي غزت وحركت دول العالم ستبقى خالدة في الذاكرة، ولن تموت، وأما عصابة الكيان الصهيوني المجرم فقد حان أزُفْ وقت نهايتهم والزوال، ومصيرهم تحت النعال.
