بعد عام من الحرب التحليل السياسي بين الحقيقة والخيال: كيف يضلل المحللون الواقع في حرب غزة؟"
وسام يونس الاغا
أمد/ في عالم التحليل السياسي، يبرز دور المحلل كجسر بين الأحداث والواقع من جهة، وبين الرأي العام من جهة أخرى. هذا الدور يتطلب دقة في النقل وموضوعية في التفسير، حتى وإن كانت لدى المحلل ميول شخصية تجاه أحد الأطراف. ولكن ما نشهده في كثير من الأحيان هو انحراف التحليل السياسي عن مساره ليصبح أداة لتغذية أوهام وأجندات تخدم مصالح محددة، بعيدًا عن الحقيقة التي يعيشها الناس على الأرض، لا سيما في غزة بعد مرور عام على الحرب.
في الحرب على غزة، استمر بعض المحللين في ترديد السرديات القديمة حول "غرق الجيش الإسرائيلي في الرمال" و"انتصار المقاومة"، في وقت يشير الواقع إلى تراجع ملحوظ في قوة المقاومة أمام إحكام الجيش الإسرائيلي قبضته على القطاع. فما يقدمه هؤلاء المحللون ليس سوى استمرار لمنهج يتجاهل الوقائع ويختبئ خلف شعارات متكررة قد تكون فقدت قوتها التأثيرية أمام التطورات الجديدة.
بعد عام من الحرب استمعت إلى نشرات الاخبار لكى اشاهد ماذا سيكون الرد على احداث ٧اكتوبر وشاهدت المحللين يقولون نفس الكلام الذى تم تكريره على مدار العام الماضي وكان حجم الدمار والخراب والمعاناة التى يعيشها أهل غزه لا يعلمون بها شى. ولكن
الحقيقة اليوم هي أن المقاومة في غزة تعاني من تراجع مستمر، وأن الوضع الميداني لم يعد كما كان في السنوات الماضية. ما نراه على الأرض هو جيش إسرائيلي بات يسير في بعض مناطق غزة ورفح بسياراته العسكرية العادية، دون ذلك الخوف الذي كان يلازم تحركاته في السابق. الصحف الإسرائيلية تشير إلى أن المقاومة أصبحت هدفًا يحتاج إلى البحث عنها، بعد أن كانت تظهر في كل زاوية من القطاع. هذا التحول الكبير لم ينعكس بعد على الكثير من التحليلات السياسية التي ما زالت أسيرة السرديات القديمة.
إن الدور الحقيقي للمحلل السياسي يجب أن يكون مرتبطًا بالواقع، لا بالشعارات. يجب عليه أن يقدم صورة شاملة عن المعطيات على الأرض، معترفًا بالتغيرات حتى لو كانت لا تتماشى مع ميوله الشخصية أو ميول جمهوره. المحلل المحترف يفهم أن وظيفته ليست السب والشتم، بل بناء سيناريوهات تستند إلى الحقائق وتوجه الجمهور نحو فهم أعمق للواقع، حتى وإن كان هذا الواقع قاسيًا أو مخالفًا للتوقعات.
لكن ما يحدث في بعض القنوات الإخبارية هو العكس تمامًا. نجد أن تلك القنوات تستضيف محللين يعيشون على الأوهام القديمة، يحللون الوقائع كما لو أن شيئًا لم يتغير. هؤلاء المحللون يعتمدون على تكرار نفس الروايات التي قد تكون خدمتهم في الماضي، لكنهم بذلك يتجاهلون التغيرات الجذرية التي تحدث على الأرض في غزة. والأمر ليس مقتصرًا على المحللين السياسيين فقط، بل يمتد إلى الخبراء الاستراتيجيين والمحللين العسكريين الذين يتم استضافتهم دون أن يقدموا شيئًا جديدًا. هؤلاء، في بعض الأحيان، يعملون وفقًا لأجندات خفية أو لرغبات مشغليهم الذين يدفعون بهم إلى تقديم صورة زائفة عن الواقع.
إن تحليلات هؤلاء لا تؤدي فقط إلى تضليل الجمهور، بل تزيد من معاناة أهل غزة الذين يعيشون في واقع مختلف تمامًا عن الرواية التي يروج لها هؤلاء المحللون. الجمهور يستحق أن يتلقى معلومات دقيقة وصحيحة عن الأوضاع، ليكون على دراية بما يحدث فعلًا، لا أن يُغذى بأوهام حول قوة غير موجودة أو انتصارات لم تتحقق.
ولذلك، نجد أن التحليل السياسي الحقيقي يجب أن يعتمد على الحقائق والمعطيات على الأرض، وأن يتحرر من الانحيازات الشخصية والأيديولوجية. المحلل السياسي يجب أن يكون صوت الحقيقة، حتى وإن كانت تلك الحقيقة قاسية أو غير مريحة للبعض. وهذا ليس ضعفًا أو خيانة، بل هو الدور الحقيقي الذي يجب أن يؤديه المحلل في توجيه الرأي العام نحو فهم أعمق وأكثر دقة للأحداث.
إن الأحداث على الأرض تتغير باستمرار، وما كان صحيحًا في الماضي قد لا يكون كذلك الآن. وعلى المحللين أن يتحلوا بالشجاعة الكافية لتحديث رواياتهم وتحليلاتهم وفقًا لما تفرضه الوقائع الجديدة، لا أن يستمروا في خداع الجمهور بسرديات قديمة تخدم أجندات سياسية أو مصالح شخصية.
