مقاومة الإحباط وراحة النفس..
عازفة العود الفلسطينية هدى عصفور للغارديان: ”طريقتي في أن أكون مفيدًا"
أمد/ في أحد أيام الأربعاء الأخير في بروكلين، اجتمع حوالي 40 شخصًا في ”ستورم بوكس آند كاندي“، وهي مكتبة مستقلة مخصصة لعرض أعمال من منطقة سوانا (جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا). بعد أن قرأ العديد من الشعراء والكتاب، ظهرت هدى عصفور من بين الحضور. التقطت عودها، وهو نوع من العود الشرق أوسطي قصير العنق، ورتبت نفسها على مقعد.
قالت عصفور البالغة من العمر 42 عامًا للغارديان البريطانية: ”إنه لأمر رائع أن أكون بين أشخاص متشابهين في التفكير“، قالت عصفور البالغة من العمر 42 عامًا، وقد اهتز شعرها المجعد قليلاً بينما كانت تضع الآلة الموسيقية على حضنها. وبينما كان صوتها الرخيم يملأ المكان، كان الناس يستمعون بهدوء إلى اللحن المؤرق عن النفاق والحالة الإنسانية المعيبة. ولكن عندما عزفت أغنية احتجاجية صاخبة باللغة العربية تضمنت لازمة عن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في السجن، تغيرت الطاقة. فصفق الناس معها وهم يغنون ويضحكون. وفي نهاية العرض القصير، انفجر الجمهور في تصفيق حار.
نص اللقاء
تجمع في أحد أيام الأربعاء الماضية في بروكلين ما يقارب الأربعون شخصا بمكتبة مستقلة تدعى "ستورم بوكس آند كاندي" Storm Books and Candy، لعرض أعمال من منطقة سوانا (جنوب / شرق آسيا وشمال أفريقيا). وبعد عدة قراءات من شعراء وكتّاب، ظهرت هدى عصفور من وسط الجمهور، حملت عودها، وهو نوع من الأعواد الشرق أوسطية ذات العنق القصير، وجلست على مقعد مرتفع.
قالت عصفور البالغة 42 عاما، "من الرائع أن أكون مع أناس متشابهين في الآراء وطريقة التفكير"، تتمايل خصلات شعرها المجعدة والمتمردة وهي تضع الآلة على حجرها، وانطلق صوتها الرخيم، فملأ المكان. انصت الحضور بهدوء للحن مثير للشجن عن النفاق وفساد الانسانية. ولكن عندما عزفت أغنية حماسية احتجاجية باللغة العربية تضمنت الاحجام عن وضع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في السجن، تغيرت الطاقة. صفق الحضور وغنوا وضحكوا، وفي نهاية العرض القصير، انفجر الجميع بتصفيق حاد، وبادراك كامل.
وجدت عصفور نفسها في تقاطع طرق قبل أربعة أشهر من العرض، غير واثقة مما ستفعله بعد. كانت قد عادت مؤخرا من زيارة أسرية للقاهرة حيث يعيش أكثر من 115000 فلسطيني، بما في ذلك عمتها، والذين تم اخلائهم من غزة منذ بداية الحرب الإسرائيلية. يفتقر الكثير منهم إلى الاحتياجات الأساسية بينما يصارعون للنجاة من صدمة الحرب. وقد علمت عصفور عن جرحى فلسطينين محتجزين في غرف المستشفيات، عن أطفال منعوا من الدخول في النظام المدرسي. حاولت عدة مجموعات دعم مشتركة على الأرض توفير سبل المساعدة لهذا التدفق الكبير للفلسطينين. لم تكن متأكدة من ضرورة عودتها إلى مصر والانضمام اليهم، أو من كيفية تقديم المساعدة المثلى في حالة من الاحتياج الملحّ والكثييف مع محدودية الموارد.
وفي نهاية، المطاف قررت أن تبقى في الولايات المتحدة حيث لها إقامة قانونية وتعمل موسيقية، بدلا من السفر ومواجهة التعقيدات الناتجة عن كونها فلسطينية في مصر، وقد وصفت هذا القرار لاحقا بأنه براجماتي وتصادفي، في نفس الوقت.
بعد مرور سنة على حملة اسرائيل المميتة، لا ينقطع سيل الأخبار المفزعة من تدمير لمنازل الفلسطينيين، ومسح عائلات كاملة من الوجود، وارتفاع مخيف في عدد الوفيات، مازال التعنت قائما. وفي نفس الوقت، ترايد الاهتمام، في الولايات المتحدة والعالم أجمع بشكل ملحوظ بالفنانين والموسيقيين الفلسطينيين، الذين يحاولون استغلال هذا الاهتمام للمناداة بوقف اطلاق النار ومطالبة الولايات المتحدة الأمريكية بالتوقف عن تسليح اسرائيل، وجمع تبرعات للعائلات في غزة.
وقبل بضعة أيام فقط من مطالبة عصفور في المكتبة بتحميل المسئولية لنتنياهو لارتكابه جرائم حرب، قامت بالعزف في مهرجان "قداس من أجل العدالة" في امستردام، حيث قدمت مع المغنية وكاتبة الأغاني السودانية (السارة) اعادة انتاج لأغنية ثورية سودانية بعنوان (نعمة)، تتحدث عن الكفاح من أجل التحرر الجماعي. وقد ساعدها قرار البقاء في نيويورك استكمال المشاركة في هذا العمل، ومشاركة رسالتها العابرة للحدود والعمل سويا للتغلب على نظم القوى "الفاشية" مع هذا الجمهور الجديد والمتناغم. قالت "طريقتي في أن أكون ذات فائدة في هذه اللحظة". وقد لعبت الكثير من الحفلات الموسيقة لجمع التبرعات لغزة في الولايات المتحدة خلال السنة الماضية لدرجة أنها لم تعد تحصيها.
تعد هذه الفعاليات بمثابة مكان للناس كي تحزن سويا، وتدعم بعضها البعض وتجد وسائل للاستمرار. ولكن هناك أوقات تشعر عصفور بالاحباط، "برغم ان الحاح اللحظة طغى على كل شيء، علينا أن نفكر ... بكيفية استغلال طاقتنا، كيف نخلق مساحات نتمكن من خلالها التفكير بالخطوة القادمة".
عصفور تمثل عدة أشياء فهي، عازفة عود ماهرة ومؤلفة ومعلّمة وتحمل درجة الدكتوراه في هندسة الطب الحيوي. تنتمي إلى عائلة موسيقية، وقد وصفت ما أحسته عندما رأت جدها يعزف عود في لقاء عائلي بعمان، الأردن وهي تبلغ الثالثة عشر من عمرها "رأيت القوة التي تملكها الآلة في لم شمل الناس وخلق مساحات للتعبير عن النفس والمجتمع والهوية".
تعرفت عصفور، أثناء نشأتها في تونس، إلى موسيقى من العراق ولبنان وفلسطين وسوريا ومصر. وتأثرت منذ وقت مبكر بعمالقة الموسيقى العربية من أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب وسيد درويس، بالاضافة إلى الكثير من الموسيقيين المعاصرين مثل: مارسيل خليفة والفرقة الفلسطينية صابرين، التي مزجت بين أنماط الموسيقى العربية مع الجاز والروك. درست في مراهقتها واوائل العشرينات من عمرها في المعاهد الموسيقية (الكونسرفتوار) بتونس وفلسطين. وقد استمدت الجزء الجوهري من فهمها الفني للموسيقى في رام الله أثناء الانتفاضة الفلسطينينة الثانية.
"كانت نشأتي أكثر تقليدية فيما يخص الفهم والتذوق الموسيقي، تميل للنخبوية، حيث اهتممت أكثر بالشكل والنغم، وفهمت لاحقا تداعيات الاستعمار على الموسيقى العربية، حيث تشكل السياسة جزءا كبيرا من خلفيتك النظرية".
انتقلت عصفور إلى الولايات المتحدة عام 2005 لاستكمال درجة الدكتوراه في الهندسة والتدريس، ولكنها استمرت بالعمل على موسيقاها، واطلقت البومين موسيقيين من خلال ستديو، وكتبت مقطوعات موسيقية لأفلام وتعاونت مع فنانين عبر العالم. عزف الموسيقى في الولايات المتحدة كان معقدا بطرق جديدة وغير متوقعة، فالكثير من الأمريكيين لم يروا أو يسمعوا عن آلتها العود، ولا يفهمون كلمات الأغاني بالعربية.
وقالت عصفور: "كان هناك منظور آخر للموسيقى، ذلك الشعور بالتعالي، وهو شيء منفّر لا يسمح بتواصل انساني سلس، فهناك كل هذه الطبقات من الغرابة التي يجب أن نتخطاها".
في السنة الماضية، تغيرت رغبة الناس وانفتاحهم للتعرف على الثقافة الفلسطينية بما في ذلك الموسيقى الفلسطينية.
حضر الأمريكيون، بما في ذلك مجموعات التضامن اليهودية، مهرجانات الأفلام والقراءات الشعرية والمسرحيات والمعارض الفنية والحفلات الموسيقية، بأعداد كبيرة ليدلوا بشهاداتهم وليتعلموا وليستمعوا وليتظاهروا ضد الاعتداء المستمر على غزة. وقالت عصفور "أعتقد بالفعل ان كل أنواع المقاومة مهمة، واليوم يخاطر الناس بالكثير لمجرد تصريحهم بأنهم يقفون مع حق الفلسطينيين".
ولكنها تشعر بالقلق الآن بسبب قلة التنوع في هذه الأحداث الثقافية: أعلى الأصوات عادة ليسوا فلسطينيين، وكثيرا ما يصور الناس في غزة على أنهم مجرد ضحايا ضعفاء، او حالات للصدقة، نزعت عنهم انسانيتهم، وبعد سنة من عزف الموسيقى في هذه الفعاليات، شهدت عصفور الكثير من التضامن، ولكن القليل من التركيز على الحلول الجماعية لمنع ما يحدث الآن في غزة من حدوثه في أي مكان آخر في العالم.
"يرغب الناس بالمساعدة، فيجلبون لك وجبة، ويشاهدونك وانت تأكل، ولا يعرفون كم ذلك مهين، هم بحاجة أن تجلس بجانبهم وتتناول الطعام معهم، فالأهم هي تلك اللحظة الانسانية في مشاركة الوجبة ".
بالاضافة إلى جمع التبرعات والتوعية من أجل غزة، عصفور لديها مسيرة مهنية حافلة. لقد قدمت ورش واسست اوركسترات ارتجالية تجمع بين الموسيقيين من جميع المشارب في عروض حية تلقائية، وهي طريقة أخرى لتخطي الحدود الموسيقية واحتواء المجموعة. تعمل أيضا على البومات، أحدها عن الاحتجاج يوثق تجربتها بما فيها تقلبات الأشهر القليلة الماضية. وقالت: "أنا أكتب بسرعة لم أعهدها من قبل"، كما وجدت أملا في مشروع غير ربحي لبرنامج ارشادي للشباب من غزة والسودان".
بينما هذا لا يعتبر حلا، ولكنها ما زالت مؤمنة أن جمع التبرعات والتجمع سويا في مجتمعات وتنشيط شيئا ما من خلال الألحان، ما زال يوفر متنفسا بعد سنة طويلة من الأخبار المرعبة والقرارات الصعبة. وقالت، "على الأقل اعرف اننا نساعد بكل ما نستطيع لمجرد استمرار الناس في وضع البقاء على قيد الحياة".
بعد عرضها في المكتبة، خرجت عصفور لتدخن، كانت اسرائيل قد قامت بحملة قصف مكثفة على لبنان، قبل بيومين وقتلت أكثر من 550 شخصا. تحدث الكثير من الكتاب في تلك الليلة عن كيف أصبحت الأشياء ثقيلة، كان الحزن ملموسا.
بعد عدة دقائق، انضمت إليها أمرأتان كانتا في الجمهور، وأخبرتاها أنهما فلسطينيتان وان موسيقاها كانت جميلة. قالت أحداهما "كنا بحاجة ماسة لذلك"، فأجابت عصفور "في أوقات كهذه من المهم أن نكون معا". تحدثت معهما لبضع دقائق، وكانت الريح قد اشتدت، وأصبح الوقت متأخرا. عادت إلى المكتبة المضاءة حيث يتجول الناس في المكان، ولم يبدُ أن ايا منهم مستعد بعد للعودة إلى منزله.
لا يزال الصراع في الشرق الأوسط يدمر حياة عدد لا يحصى من الأرواح. فالمشاهد منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول من غزة وإسرائيل تؤرق الملايين في جميع أنحاء العالم، كما أن الأزمة تتفاقم في لبنان والضفة الغربية.
ومع وصول الحرب إلى مرحلة جديدة، أصبح فهم ما يحدث - وما سيأتي بعد ذلك - أكثر أهمية من أي وقت مضى.
مع وجود مراسلين على الأرض ومراسلين يقدمون تحديثات حية على مدار الساعة، فإن الغارديان تستطيع أن تقدم تقارير شاملة ومدققة للحقائق، لمساعدتنا جميعًا على فهم الحرب الرهيبة التي أعادت بالفعل تشكيل السياسة العالمية.
نحن نتفهم أنه ليس بمقدور الجميع دفع ثمن الأخبار في الوقت الحالي. لهذا السبب اخترنا أن نبقي صحافتنا متاحة للجميع. إذا كنت أنت، نرجو منك الاستمرار في القراءة مجاناً.
ولكن إذا كنت تستطيع، فهل يمكننا الاعتماد على دعمك في هذا الوقت العصيب؟ إليكم ثلاثة أسباب وجيهة لاتخاذ قرار تمويلنا اليوم.
. إن صحافتنا الاستقصائية عالية الجودة هي قوة تمحيص وتدقيق.
2. نحن مستقلون وليس لدينا مالك ملياردير يتحكم في ما نقوم به، لذا فإن أموالك تدعم تقاريرنا بشكل مباشر.
3. لا يكلف الكثير، ويستغرق وقتاً أقل مما استغرقته قراءة هذه الرسالة.
