هل يمكن للكيان الصهيوني أن يستمر في حربه المفتوحة (نظرة على الاقتصاد الاسرائيلي)
وائل مصطفى الهرش
أمد/ تترك الحروب آثاراً عميقة في اقتصاد البلاد أثناء الحرب وبعدها سواء كانت معتدية أو معتدى عليها، فضلاً عن العواقب الاجتماعية والنفسية، ويؤدي تقسيم الموارد إلى احتياجات الجيش والدفاع خلال هذه الفترة إلى اختناقات في تلبية احتياجات الموارد للعديد من القطاعات، وخاصة السلع الاستهلاكية الأساسية.
وبهذا فإن الهجمات الصهيونية سيعاني اقتصاده منها، حيث مع مرور كل شهر، يقترب اقتصاد إسرائيل من الركود حيث انخفض النمو من 6.5٪ في عام 2022 إلى 2٪ في عام 2023، وكان من المتوقع أن ينخفض إلى 1.1٪ على مدار عام 2024 ككل، وفقًا لأحدث توقعات الحكومة، التي صدرت في أوائل سبتمبر/أيلول.
وهنا يطرح السؤال هل بإمكان اسرائيل الاستمرار في حربها في ظل الظروف الاقتصادية حالياً؟
نظرة تاريخية:
عاش الكيان الصهيوني مراحل انتعاش مهمة في الاقتصاد، استمرت من منتصف الخمسينيات حتى حرب اكتوبر 73، وذلك بسبب المساعدات الألمانية على شكل تدفقات رأسمالية، انتقل من خلالها الكيان الصهيوني إلى التنمية في القطاع الصناعي بعد ازدهار القطاع الزراعي.
ثم جاءت حرب عام 1973، التي خيضت بين الجيش السوري والجيش المصري من جهة والجيش الصهيوني من جهة أخرى في شبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان، لتحدث آثار كبيرة وملموسة على الاقصاد الصهيوني، على الرغم من الدعم الغربي الكبير المقدم حينها، إذ يمكن توصيف تلك المرحلة بأنها بداية لفترة طويلة من الركود الاقتصادي في إسرائيل، ويرجع ذلك جزئياً إلى قيام البلاد بتكثيف الإنفاق الدفاعي بشكل كبير، إذ تراجع النمو بمعدلات عالية عن الفترة السابقة، وارتفع التضخم المالي، وارتفعت الأسعار، كنتيجة للتكاليف الباهظة لحرب 1973 م، وارتفاع أسعار النفط، وتسبب ذلك بعجز كبير بالميزانية، وميزان المدفوعات الحكومي التجاري.
واستمر الكساد منذ منتصف السبعينات حتى الثمانينات، وتفاقم مع حكم حزب الليكود؛ حيث ارتفع العجز بالميزان التجاري، وارتفعت الأسعار وحتى كاد ينهار الاقتصاد، ثم ساعدت أمريكا بإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي؛ حيث منحت إسرائيل مليار ونصف المليار دولار
نظرة مالية:
قدر بنك إسرائيل في مايو/أيار أن التكاليف الناجمة عن الحرب ستبلغ 66 مليار دولار حتى نهاية العام المقبل، بما في ذلك النفقات العسكرية والنفقات المدنية، مثل الإسكان لآلاف الإسرائيليين الذين أجبروا على الفرار من منازلهم في الشمال والجنوب، وهذا يعادل حوالي 12٪ من الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل.
وفي أواخر أغسطس/آب ــ قبل شهر من تنفيذ الكيان الصهيوني لضربات على العاصمة اللبنانية والتوغل البري في جنوب لبنان ــ قدر معهد دراسات الأمن القومي أن شهراً واحداً فقط من "الحرب الشديدة" في لبنان ضد حزب الله، مع "هجمات مكثفة" في الاتجاه المعاكس تلحق الضرر بالبنية الأساسية الإسرائيلية، قد يتسبب في ارتفاع عجز الموازنة الإسرائيلية إلى 15% وانكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى 10% هذا العام.
وفي الواقع تسببت الهجمات الصهيونية متنوعة الجبهات خلال العام الحالي في مضاعفة عجز الموازنة في إسرائيل ــعجز الموازنة هو الفارق بين الإنفاق الحكومي والإيرادات، ومعظمها من الضرائب ــ إلى 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو الذي كان 4% قبل الحرب.
كما ارتفعت معدلات الاقتراض الحكومي وأصبحت أكثر تكلفة، إذ أصبح من المشروع أن يطالب المستثمرون بعوائد أعلى لشراء السندات الإسرائيلية وغيرها من الأصول نتيجة تحملهم مخاطر أعلى أثر اقتناء تلك السندات، وهذا ما حصل.
ومن المرجح أيضاً أن تؤدي تخفيضات التصنيف الائتماني المتعددة التي أجرتها وكالات فيتش وموديز وستاندرد آند بورز لإسرائيل إلى زيادة تكلفة الاقتراض في البلاد إلى حد أكبر.
عدم اليقين:
شكلت الحرب المندلعة الآن من قبل آلة القتل الصهيونية حالة في الاقتصاد تسمى حالة عدم اليقين، وهي تشير إلى وضع يصعب فيه التنبؤ بالبيئة الاقتصادية المستقبلية،
وبهذا الصدد وتقدر شركة كوفاس بي دي آي، وهي شركة تحليلات أعمال كبرى في الكيان الصهيوني، أن 60 ألف شركة إسرائيلية ستغلق أبوابها هذا العام، هذا الرقم الذي يشكل ارتفاعاً من متوسط سنوي يبلغ نحو 40 ألف شركة، ومعظم هذه الشركات هي شركات صغيرة، أي تضم ما يصل إلى خمسة موظفين.
ويقول آفي حسون، الرئيس التنفيذي لشركة Startup Nation Central، وهي منظمة غير ربحية تعمل على الترويج لصناعة التكنولوجيا الإسرائيلية على مستوى العالم،"إن عدم اليقين أمر سيئ للاقتصاد، وسيئ للاستثمار"، وفي تقرير حديث، حذر حسون من أن المرونة الملحوظة لقطاع التكنولوجيا في إسرائيل حتى الآن "لن تكون مستدامة" في مواجهة حالة عدم اليقين التي أحدثها الصراع المطول والسياسة الاقتصادية "المدمرة" للحكومة.
إن هذا كله يساهم في ازدياد الفجوة المالية التي أحدثتها الحرب، إذ أنه لتقليص الفجوة، لا تستطيع الحكومة الاعتماد على تدفق صحي من عائدات الضرائب من الشركات، التي ينهار العديد منها كما أسلفنا من جانب، ومن جانب آخر يتردد البعض الآخر في الاستثمار في حين لا يزال من غير الواضح إلى متى ستستمر الحرب.
وبالمثل، فإن الزيادات الضريبية المحتملة وتخفيضات الإنفاق غير الدفاعي - بعضها اقترحه بالفعل سموتريتش - لتمويل ما يتوقعه الكثيرون أن يصبح جيشًا موسعًا بشكل دائم، يمكن أن تضر بالنمو الاقتصادي، وهنا نعتقد أن هذه التدابير إلى جانب ضعف الشعور بالأمن، يمكن أن تحفز أيضًا هجرة الصهاينة المتعلمين تعليماً عالياً، والذين يحصلون على رواتب مرتفعة لا سيما رواد الأعمال في مجال التكنولوجيا إلى خارج الكيان.
وبالتالي فإن رحيل دافعي الضرائب من أصحاب الدخول المرتفعة على نطاق واسع من شأنه أن يزيد من تضرر مالية إسرائيل، التي تضررت بشدة من الحرب، وبهذا الصدد أرجأت الحكومة الصهيونية نشر ميزانيتها للعام المقبل هذا ما يعطي إشارة إلى صعوبة تحقيق التوازن في دفاترها.
القطاعات الاقتصادية:
وفقاً للأرقام الرسمية، لم يتم استبدال 70 ألف فلسطيني من أصل 300 ألف عامل في مجال البناء، ولعلاج ذلك أعلنت وزارة المالية الصهيونية عن منح تصل إلى 5000 يورو لكل عامل إسرائيلي ينضم إلى صناعة البناء، وذلك خوفاً من أن التباطؤ في مجال البناء يغذي ارتفاع أسعار المساكن، وبالتالي التضخم، وهو ما يشكل مشكلة حقيقية بالنسبة لإسرائيل.
وكذلك الأمر بالنسبة للزراعة، حيث أدى انسحاب الفلسطينيين من هذا القطاع إلى إلى ارتفاع أسعار الخضروات.
بالنسبة للسياحة فقد انخفض عدد الوافدين بشكل حاد هذا العام، وقد قدرت وزارة السياحة الإسرائيلية أن الانخفاض في أعداد السياح الأجانب ترجم إلى خسارة قدرها 4.9 مليار دولار من العائدات منذ بداية الحرب.
وفوق كل شيء، شهدت الشركات التكنولوجية العالية التي تفتخر بها البلاد بشدة ذوبان قوتها العاملة من "المهوسين" والمديرين التنفيذيين المهرة بنسبة 10-15٪
ختاماً .. إن المعطيات السابقة تعطي تصوراً واضحاً على أن المنطق يقول أن الاحتلال الصهيوني لا يمكنه الاستمرار في حربه الشرسة، وذلك لعوامل داخلية لها علاقة في بنية الاقتصاد، وذلك كله يتكامل مع صمود الشعبين الفلسطيني واللبناني في أماكن المواجهة مع الاحتلال، ولكن يبقى الكيان الصهيوني ذو ارتباطات دولية معقدة وبالتالي يصعب قراءة الموقف الحقيقي لوضعه الاقتصادي رغم وضوحه على الأرض.
