قراءة تحليلية لـ"المشروع المشبوه".. الواجب اسقاطه وطنيا!
كتب حسن عصفور/ ما حدث في لقاء "الجمعية العامة لفصائل منظمة التحرير" يوم الخميس الماضي الموافق 18 ديسمبر 2014 خلال بحث ما بات يعرف بـ"المشروع الفلسطيني العربي" لانهاء الاحتلال، يمثل دليلا ساطعا أن القرار الفلسطيني لم يعد له صلة لا من قريب أو بعيد، بالتبادلية الوطنية عند اتخاذا قرارات مصيرية، بل أن الرئيس محمود عباس لم يكتف بتجاهل الفصائل كافة، من المشاورات الخاصة والعامة، حول نص المشروع والاتصالات التي دارت بين أطراف متعددة..
بل انه رفع للحضور "كرتا أحمر" - لا نود أن نقول أنه رفع شيئا آخر يلبسه بقدمه -، عندما رفض كليا أن يوزع على قادة الفصائل أو جميعتهم العمومية، في غياب حركتي حماس والجهاد، المشروع الفلسطيني الذي تم تقديمه، وبات ملكا لمجلس الأمن، وسيتم نشره خلال ساعات على موقع الأمم المتحدة، وفي مختلف وسائل الاعلام العربي والأجنبي والعبري، لكنه تمادى بشكل "غير مسبوق" بالاستخفاف فيما يسميه هو نفسه بـ"القيادة الفلسطينية"..
لم تكن تلك ملاحظة شكلية، بل كان فعلا سياسيا أريد له أن يضلل الحضور مكتفيا بمداخلة له حول المشروع، ثبت لاحقا أنها لا صلة لها بما نشر من نص افترق كثيرا عما قاله الرئيس بصوته، ونشرته وسائل اعلام الرئاسة..
وبعيد عن الملاحظات "الشكلية"، فالمشروع بذاته يشكل "كارثة سياسية وطنية"، وهو المشروع الأخطر على قضية فلسطين، منذ أن بدأت الأمم المتحدة تناقش القضية الفلسطينية، ويشكل "انقلابا فلسطينيا رسميا" على قرار الأمم المتحدة رقم 19/ 67 لعام 2012 الخاص بالاعتراف بـ"دولة فلسطين" كعضو مراقب من خلال حدود الدولة وعاصمتها القدس الشرقية..
المشروع الجديد تجاوز كليا المشروع المتفق عليه وطنيا قبل زمن، وقد تم اعلاميا رصد 8 تعديلات جوهرية على النص المتفق عليه وطنيا، فقط لارضاء الغرب وأمريكا، دون ان يكون لها في النهاية ذلك، فالمطلوب مزيدا من "التنازلات" لكي تصبح الرئاسة الفلسطينية عارية تماما أمام شعبها، ومتصادمة مع "الكل الوطني" يسارا ويمينا، علماني واسلاموي، تقدمي ومحافظ، بل وستجد من داخل تنظيم الرئيس عباس حركة فتح، من سيرفض ذلك، وهو ما تدركه جيدا وتعمل له الادارة الأميركية، لتفرض عليه ما يحلو لها من "شروط استسلام" بديلا لشروط السلام المنتظر..
وبتناول النص المقترح، يمكن قراءة نصوص تؤدي بمن صاغها الى منصة المحاكمة الوطنية، والتي لا تقبل التأجيل:
*الاشارة الى قرار التقسيم 181 في مقدمة المشروع، دون اي ضرورة واقحامه في النص، لم يكن سوى استجابة فلسطينية لرغبة بريطانيا - امريكا كي يفتح الباب واسعا للإشارة الى "دولة يهودية"، أي شرعنة مطلب نتنياهو وزمرته الفاشية بما يسمى "قانون القومية"..كان بالامكان استيعاب الاقحام لقرار التقسيم لو أنه اشار الى جغرافيا القرار وليس لنص تسمية القرار حول دولة يهودية واخرى عربية..فعل لتمرير قانون اقصاء الوطن والشعب الفلسطيني..
**اقحام مبادرة السلام العربية في مسألة حل قضية اللاجئين فقط، بهدف اضاعة الحق القانوني لقرار 194، فالمبادرة عندما وضعت ذلك النص، جاء في سياق نص وتسوية متبادلة شاملة، فيما اقتنص المشروع جزءا تنازليا فيما يعرف بحل قضية اللاجئين "حلا عادلا ومتفق عليه"، نص جاء في سياق متكامل، ولو اريد للنص أن يكون، ليتم تنفيذ المبادرة بكامل نصوصها، وليس اقتباس بعض "التنازلات السياسية منها"، ثم تمريرها تحت بند أنه "نص عربي" وافقت عليه منظمة التحرير والزعيم الخالد ياسر عرفات..هذا يسمى في السياسة "تدليس مكشوف"..
*** وضع فقرة خاصة حول قطاع غزة مفصولا، يتحدث عن بعض ما له، يشكل علامة استفهام كبرى، فما دام البحث عن "حل نهائي" وانهاء الاحتلال، فما هو "المغزى السياسي" من فقرة خاصة بقطاع غزة، و" يدعو إلى حل مستدام للوضع في قطاع غزة، بما في ذلك فتح معابرها الحدودية بشكل مستمر ومنتظم من أمام التدفق الطبيعي للأشخاص والبضائع، وفقاً للقانون الإنساني الدولي".
الا يثير نصا كهذا في اطار مشروع لحل نهائي شكوكا سياسية خاصة حول ما سيكون عليه الوضع في اطار حل نهائي للقضية الفلسطينية، وكأن هناك "ترتيبات خاصة" للضفة الغربية والقدس مختلفة جوهريا عن ما سيكون لقطاع غزة..سؤال يفرض نفسه من سياق النص ذاته..
لو اريد للقطاع خيرا ليخرج قرار من مجلس الأمن منفصلا عن مشروع الحل النهائي وليبدأ تنفيذه فورا..لكن لكل فقرة هدف والله وامريكا وغيرهم يعلمون هدفهم من نص كهذا..!
**** يتحدث المشروع عن تمديد النص الزمني المتفق عليه وطنيا الى عام اضافي، مع ايجاد مرحلة انتقالية جديدة لتنفيذ ما يتفق عليه، وهو ما يعيد التجربة التي كانت في الاتفاقات السابقة، وأن اي خلل أمني وفقا للنص سيكون كابحا للإستمرار في التنفيذ، وهو اختبار لا يمكن له أن يكون لصالح الشعب الفلسطيني..فالحل النهائي لا يجب أن يكون تدريجي وانتقالي بل "رزمة واحدة"..خاصة لو تم ربط هذا النص بنص الامتناع عن القيام باجراءات احادية، وهو ما سيضع اي عملية ضد الاحتلال مقابل الاستيطان..
****الحديث عن "خطوط الحدود" يضعف كثيرا النص القانوني لتعبير الحدود، وتفتح الباب لشكل انسيابي لتحديدها، ويفتح الباب واسعا لشمول مبدأ "التبادلية" بحسابات تميل للطرف الاسرائيلي..كما انه لم يكن مناسبا الحديث في المشروع الفلسطيني عن التبادلية، خاصة وأن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012 حدد بوضوح قاطع حدود دولة فلسطين..المساومات لا يتم تقديمها قبل المفاوضات..مبدأ يعرفه تلميذ بالصف الأول الابتدائي للمفاوضات ..
*****عند تناول قضايا الحل النهائي حدد المشروع الفلسطيني، واستنادا الى "اعلان المبادئ" عام 1993 قضايا الحل النهائي ، اضيف لها موضوع المياه لاحقا بالتالي" الحدود واللاجئين والقدس والمياه والأمن "، ويذكر الرئيس عباس شخصيا والأخ ياسر عبدربه والأخ ابو علاء قريع أن المفاوضات تم تعليقها في اوسلو وكادت أن تنهي القناة السرية بسب تلك المسميات، وتحديدا تسمية القدس"، حيث اعتبرها رابين آنذاك خط أحمر..ولكن الزعيم ابو عمار و"خلية المتابعة" آنذاك اصرت على التسمية وهو ما كان لها..
يبدو أن الضغط تواصل لتعديل النص الفلسطيني لصالح الموقف الاسرائيلي فحذف التسمية ليصبح النص " الحل المتفاوض عليه سيكون مستنداً إلى المعالم الخمسة" دون تسميتها..ولا يحتاج القارئ لشرح التنازل الساطع هنا بين نص ونص..
******بخصوص الاستيطان تناول المشروع الموضوع من زاوية اختلفت جوهريا عن المشروع الفلسطيني المتفق عليه وطنيا فاستبدل النص الأصلي الداعي الى "وقف كامل لجميع الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967 ، بما فيها القدس الشرقية"ن بنص بديل يدعو "المجلس، الطرفين إلى الامتناع عن اتخاذ أية إجراءات غير قانونية أحادية الجانب، بما في ذلك الأنشطة الاستيطانية، التي يمكن أن تقوض قابلية حل الدولتين على أساس المعالم المحددة في هذا القرار".
المصيبة هنا، ان النص البديل استخدم عبارة يمتنع عن اتخاذا خطوات احادية من كلا الجانبين، وهو تعبير لا يمثل اي جانب الزامي وساوى بين الطرفين في "المناشدة"، ولا نلعم ما هو المقصود بتلك العبارة للجانب الفلسطيني، هل هي هي تختص بفلسطيني الجليل والمثلث والنقب، أم وضع المقاومة ضد الاحتلال مقابلا.. ام بماذا..
مسألة تستوجب التوضيح ايضا..علما بأنها لم تكن واردة اطلاقا بالنص الأصلي والذي تحدث عن وقف الأنشطة الاستيطانية، كتعبير الزامي قطعي، وليس مناشدة أخلاقية مشروطة..
وتستمر مصيبة النص البديل عندما تجاهل وضع القدس الشرقية في هذا البند، وكأن الاستيطان - التهويد بها، اصبح خارج السياق، بل يبدو وكأنه بات "مشروعا"..
ولأن البند الخاص بالاستيطان تم صياغته بطريقة نادرة في اهانة طرف صاحب حق، بوضع تمييزبين "نشاط استيطاني وآخر"..حيث يطالب النص البديل بالامتناع عن الأنشطة التي يمكن أن" أن تقوض قابلية حل الدولتين على أساس المعالم المحددة في هذا القرار".. بمعنى أي استيطان لا يمس قابلية حل الدولتين يمكن قبوله، وهنا الهدف الأساسي من النص، مستوطنات القدس وخاصة التكتلات الكبيرة، سواء تلك التي تقع بين الخليل وبيت لحم، والمعروفة بـ"مجع غوش عتسيون" وجواره، ثم مستوطنة "جبل ابو غنيم"، والمستوطنات المقامة بين رام والقدس بجوار بيت حنينا والرام..والكل يعلم حقيقتها..
*******فيما يتعلق القدس الشرقية، لم يكتف المشروع البديل بما ورد في بند الاستيطان، بل أنه تقدم بنص يشكل "كارثة وطنية وتاريخية" لا يمكن لأي وطني فلسطيني قبولها، فبدلا من النص الأصلي، بأن القدس الشرقية هي عاصمة دولة فلسطين، اصبح النص البديل يتحدث عن "القدس عاصمة مشتركة للدولتين والتي تلبي التطلعات المشروعة للطرفين ويحمي حرية العبادة".
"عاصمة مشتركة"، دون حدود واضحة وبلا معالم سياسية، وحرية العبادة محمية دون تدقيق في المغزى من تلك العبارة..النص هنا يلغي حدود القدس الشرقية لمصلحة "القدس الكبرى لليهود" وبعض الأحياء العربية فيها تعود لفلسطين، فيما البلدة القديمة ستكون خاضعة لحماية لا يعرف طبيعتها تحت بند "حماية حرية العبادة"، ما قد يسمح لليهود بدخول الأقصى وحرمه تحت بند "حرية العبادة"..
"قدس يهودية كبرى" تضم الغربية المحتلة منذ 1948، والمستوطنات التي بنيت فوق ارض القدس الشرقية، مع مكانة خاصة لحرية العبادة، والتي لن تقتصر على ما هو قائم اليوم، أو ما يعرف بـ"الستاتيكو"، فيما تصبح القدس العربية الفلسطينية، ما تبقى من المحتل عام 1967، مضافا لها ابو ديس والعيزرية والرام والسواحرة الشرقية وكفر عقب وغيرها من بلدات تابعة لها في المخطط..وعندها لتسمى ايضا عاصمة فلسطين، مع وضع خاص لحرية العبادة ايضا..
********وتتواصل المفاجآت الكارثية، عندما يتم وضع نص صريح، رفض في كل المفاوضات السابقة الخاصة بالحل النهائي، منذ عام 1995 وحتى آخرها في كمب ديفيد عام 2000، ولا نعرف إن وردت لاحقا في مفاوضات عباس - اولمرت أو فريقه الخاص لاحقا مع ليفني، نص يؤكد على أن "يسلم المجلس بأن اتفاق الوضع النهائي يجب وضع حد للاحتلال ووضع حد للمطالبات كافة ويؤدي إلى الاعتراف المتبادل فوراً".
الهدف واضح من هذا النص الحاسم لالغاء نص قرار 194 وقرار 181 لو رغب الفلسطيني يوما ما بفتح تصويب الميزان السياسي...ليت قابلي النص يشروحون للشعب الفلسطيني ما هي تلك المطالب كافة التي لا يريدون المطالبة بها لاحقا..
*********ونصل الى ما يكشف أن المشروع في جوهره، ليس سوى "انقلاب شرعي" على الحق الفلسطيني الذي جسده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2012، رقم 19/67 إذ يشير نص المشروع الجديد الى "على قبول فلسطين دولة كاملة العضوية ضمن الإطار المنصوص عليه في القرار. ويتطلع إلى الترحيب بفلسطين كدولة عضو كامل العضوية في الأمم المتحدة ضمن الإطار الزمني المحدد في هذا القرار".
من قام بصياغة المشروع الجديد، عندما اضافه، وهو بند لم يكن بالمشروع الفلسطيني الأصلي، كان يريد شطب كل ما تحقق من انجازات ومكاسب في الجمعية العامة لصالح فلسطين، بل ويجمد العمل بها الى حين انجاز الاتفاق وفقا للقرار، ما يفهم منه عدم قيام فلسطين بالانضمام الى أي مؤسسات دولية، وبالطبع في مقدمتها التوجه الى المحكمة الجنائية الدولية..
تلك قراءة أولية لمشروع يمكن أن يشكل "حلا نهائيا لقضية فلسطين بمعنى الخلاص منها" وانهاء لمسيرة كفاح شعب..
مشروع القرار الجديد، يمثل مصيبة لا بعدها مصيبة في مسار الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية، ولم يكن يوما يخطر ببال أي فلسطيني، عدا "روابط القرى"، أن تقرأ نصا بهذا الذي تقدم الى مجلس الأمن..
الفعل لاسقاط المشروع أصبح واجبا وطنيا..والصمت عليه خيانة وطنية..
ملاحظة الى ياسر عرفات: ليتك تصحو لخمس دقائق وتقرأ ايها الخالد ما أصبح يسمى "مشروع فلسطيني لانهاء الاحتلال"..مشروع يبدو من نصوصه وكأن هناك "احتلال متبادل" يجب انهائه ايها الزعيم!
تنويه خاص: امريكا تعارض المشروع رغم كل ذلك..السؤال لماذا؟..لنا وقفة مع هذا السؤال، لو كان للحياة رأي بالبقاء وفي العمر بقية!
