سورية بين الاجندات
صالح عوض
أمد/ من ادلب شمالا انطلقت المجموعات المسلحة لتسيطر على حلب ومن تم حماة وحمص ومن الجنوب تنطلق لتسيطر على درعا وذلك بسرعة مدهشة في عملية تشير بوضوح الى خلل كبير في جبهة النظام وتكشف عن معاملات جديدة دخلت مسرح العمليات.. فكما كانت 12 سنة ماضية شاهدة على تشتت ملايين السوريين في أصقاع الأرض وتكون دويلة وليدة في إدلب بجوار الدولة المركزية وشاهدة على تكريس واقع الانفصال والتشظي للدولة السورية وتصارع دول إقليمية ودولية على أرضها.. ظل هذا الركود المأساوي والجرح العنيف في الجسد السوري كأنه مرض مزمن حتى بدأت العملية العسكرية الجديدة وما تحمله من مخاطر.
أسئلة لأكثر من إجابة:
بداية يجب أن ندرك أن قوة تدافع المعاملات الواقعية هي من يرسم المشهد وليس موقفنا منها مع أو ضد.. وهنا لا بد من تجريد الأخبار عن رغباتنا ومواقفنا المسبقة.. ولا بد كذلك من قراءة التدافعات وحركيتها كما هي وبدون تجزيء او إخفاء.. لان في ذلك احترام لعقولنا وفهم قريب من الصحة.. مع ادراكي ان هذا صعب عندما تكون القضية تمس مشاعرنا ومستقبلنا ووجودنا، وهل أكثر من مستقبل سورية يمكن أن يستنفر كاتبا فلسطينيا يؤمن بوحدة بلاد الشام وحدة دم وتاريخ ومصير؟
هناك جملة معطيات تصلح للانطلاق لتحليل المشهد السوري: اولا: هذا الانهيار السريع للجيش السوري أمام مجموعات مسلحة، ثانيا: هذا الاندفاع السريع للمجموعات المسلحة للسيطرة على مدن سورية التاريخية، ثالثا: الموقف الروسي الذي كما يبدو غير متفاعل بما فيه الكفاية ليس فقط بسبب انخراطه في أزمة أوكرانيا بل لعل له وجهة نظر، رابعا: الموقف التركي الذي أعلنه أردوغان بتحميل مسؤولية ما يحصل للنظام الذي حسب قوله رفض اليد الممدودة إليه، خامسا: الموقف الإيراني الذي يلجأ إلى تشكيل موقف إقليمي لمحاضرة المعارضة المسلحة بعد أن كان لإيران تدخل عسكري من خلال مستشارين ومليشيات حليفة..،سادسا: حزب الله لم ينهض مسرعا لنجدة النظام هل ما يمنعه انه خرج لتوه من حرب صعبة ام انه لم يعد مستعدا لحرب جديدة في سورية بعد خسائر فادحة مني بها في حروبه السابقة، سابعا: هل يقبل الأمريكان وإسرائيل ان تكون هذه القوة المسلحة الإيديولوجية في جوارها.؟ ما هو البديل الأمريكي للأسد والجماعات المسلحة هل من ضمن الخيارات انقلاب عسكري ام تعميم الفوضى.. كل هذا يدفع إلى تحليل أقرب للواقع والمنطق.
القراءة الصهيونية للأحداث:
لعلي أسرد هنا رؤية يطرحها في صحيفة اسرائيل اليوم نشر الدكتور يوسي منشروف حيث يعتبر ما يقوله مقالا امنيا فيه قراءة سريعة تلخص الرؤية الصهيونية وهي تخلص الى تحذيرات فيقول: "والأمر الأكثر إلحاحاً بالنسبة لإسرائيل الآن هو التأكد من أن طهران لا تستغل تجدد الحرب الأهلية لصالح إسرائيل فلقد أدركت دوائر المتمردين الجهاديين في سوريا الفرصة التي سنحت لهم مع انتهاء الحرب في لبنان، التي أدت إلى تآكل قوة إيران وحزب الله، وتورط الروس في حرب أوكرانيا..إن نداء الاستغاثة الذي بثته طهران، والتي تمكنت بالفعل من خسارة قائد فيلق القدس في قطاع حلب بور هاشمي، الذي قتل بنيران المتمردين، مع اندلاع القتال في حلب، حقيقي.
ولا يمكن للمساعدات الروسية أن تغير ساحة المعركة بشكل جذري لأن الضربات الجوية ليست كافية لتغيير اتجاه التقدم ووقف المكاسب السريعة لدوائر المتمردين. لذلك، فمن المرجح أن ترسل إيران قريبًا قوات من سلسلة وكلائها، مع التركيز على حزب الله وفاطميون (أفغان) وزينبايون (باكستانيين) والميليشيات العراقية، برفقة فيلق القدس.
تتجدد الحرب في سوريا في وقت غير مناسب للغاية بالنسبة لمحور المقاومة: فحزب الله وإيران يتعافى من الحرب ويستعدان لإعادة تأهيل حزب الله، الذي يلعق جراحه ويحتاج إلى "إعادة بناء نفسه"، في هذه الأثناء، أقال بوتين قائد القوات الروسية في سوريا، الجنرال سيرغي كيسل،.
إن تقويض الاستقرار النسبي الذي تحقق في سوريا يهدد مصالح إيران الاستراتيجية في المنطقة. وإلى جانب التهديد باستمرار حكم الأسد، فإن المكاسب التي حققتها دوائر المتمردين في قطاع حلب – حماة تهدد أيضاً منطقة القصير (قرب الحدود اللبنانية السورية) التي سفكت إيران وحزب الله الكثير من الدماء لاحتلالها. عام 2013، بعد أن سقطت في أيدي المتمردين..
الأمر الأكثر إلحاحاً بالنسبة لإسرائيل الآن هو التأكد من أن طهران لا تستغل تجدد الحرب الأهلية لتلبية احتياجاتها الخاصة: يجب على المرء أن يراقب أن طهران لن تستخدم، مرة أخرى، الهلال الأحمر الإيراني في التهريب. في السياق الإسرائيلي: يجب ألا ننسى أن المتمردين هم تحالف من القوى الجهادية، وبالتالي فإن مصلحة إسرائيل في الوقت الحالي هي إنهاك حزب الله وإيران في الحرب الأهلية في سوريا، وبالطبع ضمان تجدد القتال أيضًا. في جنوب الحدود السورية لا يمتد إلى إسرائيل.
الموقف الروسي:
مما لاشك فيه أن هناك تغيرا واضحا في الموقف الروسي فلقد كانت المعطيات الواقعية السابقة غير القائمة اليوم أولها انشغال روسيا بالأزمة الأوكرانية وتداعياتها وتطوراتها باحتمالاتها ورغم الإسناد السياسي والإعلان عن الدعم لسوريا وحتى قيام الطيران الروسي ببعض الطلعات تستهدف المسلحين الا أن ما ينفلت على لسان كثير من المسئولين الروس بدءا من وزير الخارجية الروسي حيث لاحظوا الانهيار المدوي لدفاعات الجيش السوري وانهم لا يملكون رؤية لإنقاذ الرئيس والنظام السوري.
ومن الواضح غياب جماعة فاغنر المرتزقة التي كان لها دور كبير في بداية الأزمة قبل عشر سنوات بعد أن تمت تصفيتها وقتل قائدها..
ومن الواضح أن روسيا تكون غير راضية عن ممارسة النظام السوري تجاه الاتفاقيات التي تم التوصل اليها مع المعارضة حول دستور موحد وحول حكومة مؤقتة.. كما أن الانسداد السياسي افقد التدخل الروسي أهميته في الحرب ورغم المكتسبات الاستراتيجية الروسية بانشاء قواعد عسكرية بحرية على الساحل السوري الا ان ذلك ليس بحجم الانفاق الروسي في الحرب ثم ان الروس ظهرعجزهم ان يكونوا مدافعين عن الدولة السورية التي تتمزق امام اعينهم وتتعرض لانتهاكات مستمرة من قبل الطيران الصهيوني، كما ان الروس وجدوا ان سواهم يمكن ان ينال من الحرب أكثر كثيرا مما حققوا هم.
الموقف الايراني والحزب:
هبت ايران من الايام الاولى للازمة للدفاع عن النظام السوري وعلى مدار 13 سنة كان الحضور الأمني الايراني مشهودا بكثافة في الارض السورية وقد تمثل ذلك في قواعد عسكرية ونشاط واسع يشرف وينسق لعمليات المليشيات الشيعية الزينبيين والفاطميين والحزب التي انخرطت في الدفاع عن النظام عبر حرب ضروس ضد المعارضة السورية المسلحة في مواقع عديدة ذهب ضحيتها من المليشيات لاسيما الحزب الالاف من المقاتلين ..
ولقد ترافق التمظهر الشيعي في المواسم والمناسبات مع وجود المليشيات الشيعية وكذلك التواجد الايراني الامني في ظل تهجير مناطق عديدة من اهلها العرب السنة الامر الذي اعطى المعارضة المسلحة اوراق دعاية قوية تحريضية مهيجة.. ولم تحاول ايران ضبط سلوكها في شعب عريق لديه حساسية بالغة تجاه رموزه وتاريخه..
تكون ايران قد خسرت نتيجة المفاجأة القدرة على استيعاب الصدمة بعد ان كان التوجه يقتضي ترميم قوة حزب الله واعادة بنيته ومن ناحية اخرى لم يعد بامكان المليشيات العراقية والافغانية فلقد اوجدت الصدمة ضربة ايقاف قوية في المجتمع السياسي الشيعي العراقي حيث يتجه الموقف بعدم الاسناد من خلال جيوش ومليشيات..
لقد اتجهت ايران لتقوية النظام من خلال حشد المقاتلين الشيعة من شتى الدول و هيأت لهم السلاح والمال و كان يمكنها تقوية الجيش السوري بتدريب متطور وبتحسين ظروف معيشة الجنود وبتزويده بأسلحة متطورة بالاضافة الى جهود حقيقية للتقريب بين النظام والمعارضة السورية.
يجد الحزب في النظام السوري ظهيرا قويا ضروريا لقوته وحضوره لاسيما في خوض معاركه العنيفة في مواجهة العدو الصهيوني كما في ترتيبات الوضع اللبناني السياسي وفي مجالات اخرى عديدة منها الجانب الامني المشترك وقد يكون هناك جوانب اقتصادية ومالية مشتركة.. على هذا كان دفاع الحزب عن النظام دفاعا له مبرراته التي لايمكن تجاوزها.. لكنه الان بعيد عن القدرة على الدخول في الاقتتال السوري لاسباب أهمها ان المكونات اللبنانية الاخرى لاتقبل دخوله لاسيما بعد حرب ينظر اليها الاخرون في لبنان انها وجهت ضربات عنيفة للبلد وبنيته التحتية.
النظام السوري والصدمة:
يجد النظام نفسه وحيدا في المواجهة مع المعارضة المسلحة التي تكاد تطبق عليه من الشمال والجنوب.. فهو يفتقد الان للانصار الاقليميين والدوليين وهو كما يبدو لم يطور جيشه عددا وعدة وتخطيطا، كما أنه تعايش مع جيب ادلب الذي يعج بالمسلحين وقياداتهم والمهجرين والامهم.. ولم يضع تصورا لكيفية التعامل مع ملف المهجرين بملايينهم العديدة في شتى بقاع الارض.. ومن جهة اخرى كما يقول الشركاء انه لم يتلزم بالاتجاه الى صياغة دستور مشترك وتشكيل هيئات انتقالية في اتجاه بناء دولة مدنية بشفافية بعيدا عن العصبيات الطائفية والمحاصصات..
ماذا ينتظر النظام حاليا؟ من المؤكد انه منهمك الان في تفعيل تحالفاته ولكنها دون المشاركة في القتال وهنا لن تجديه اللقاءات الرسمية مع الدبلوماسيين في المنطقة فهؤلاء لن يستيطعوا ان يقدموا له شيئا ذا قيمة..ومن الواضح انه ليس في استطاعة النظام التصدي وحده للمعارضة المسلحة وايقافها عند حد ما فضلا عن استعادة المناطق التي استولت عليها المعارضة، ولعله من الواضح كذلك ان حاضنة شعبية لا يستهان بها تحيط بالمعارضة المسلحة شاهدناها في حماة وحلب ودرعا والسليمانية.. ولذا يبدو الخيار العسكري ليس وجيها في هذه المرحلة الحرجة وهنا يتولد احتمالان الاول امكانية ايجاد اتفاقية بين الاطراف السورية والتحرك بجدية لتفعيل الاتفاقيات الموقعة بينهم وهذا يحتاج الى وسطاء نزهاء الامر المستبعد.. ولا يجدي نفعا الهروب من هذا الاستحقاق الى الكلام الغوغائي عن المؤامرات والتدخلات الاجنبية هذا احتمال والاحتمال الاخر انقلاب تدبره دول عظمى يزيح النظام السابق ورموزه ويفتح صفحة للتفاهم مع القوى السورية المعارضة في خطوة انتقالية من اجل دولة مدنية.
كلمة أخيرة:
نحن نعرف أن سورية امتداد فلسطين الطبيعي ونعرف ان قلبها ينبض بفلسطين وان فلسطين تتأثر بكل ما يحصل في الأمة ولكن تأثرها بسورية أبلغ، هذا الأمر يدركه العدو بدقة ولعلنا نتذكر قول بريجنسكي مستشار الامن القومي الامريكي في سنة1980 انه لن يسمح بقيام دولة أصولية على حدود الكيان الصهيوني.. وهذا ما يجعل العقل الصهيوني في غاية القلق الان.. هم يدركون أن هذه المعارضة المسلحة ليس لديها مشروع واضح نحو فلسطين وليس لها مشاركة سابقة في الكفاح من أجل فلسطين ولكنهم لن يثقوا بها ويرون في تمددها قلقا لانها يمكن ان تغير مواقفها في مراحل متقدمة فهم ان كانوا يرون في نظام سورية أنه عدو ولكنهم يرون فيه هش ضعيف لا خطر استراتيجي منه..
هذا كله يدفعنا الى القول ان التصالح السوري الذاتي والخروج من مربع الاقتتال الى مربع الاحتكام للقانون وبناء دولة بدستور هو السبيل الأنجع والاكثر بعدا عن التيه، فمن يملك المبادرة الان لعل النظام أكثر من سواه مدعوا الى الاعلان عن استعداده لتنفيذ كل ما تم الاتفاق عليه.. تلك امنياتنا ولكن الله يفعل ما يريد
