حرب وحراك ..وعشق التفاوض
كتب حسن عصفور/ لم تترك دولة الاحتلال فرصة ذهاب المؤشر الإعلامي والسياسي العربي إلى مناطق السخونة الشعبية ،خاصة في سوريا واليمن مع سخونة الحرب العسكرية في ليبيا ،تمر دون أن تضع بصمتها العدوانية ضد قطاع غزة،شنت عدوانا تريده أن يكون أقل من حرب واجتياح،وأكثر من رد فعل كما كان في الفترة السابقة،بين عمل مشابه لما حدث في حرب الجريمة المركبة ضد قطاع غزة أواخر العام 2008 وبين عمل 'تأديبي' للحالة القائمة سياسيا وعسكريا داخل قطاع غزة .
حكومة نتنياهو،تقوم بما أرادته الطغمة الحاكمة كعمل استباقي عدواني لما يمكن أن يكون لاحقا من تطورات سياسية قد لا تستطيع كبح جماحها،مستغلة بعض الأعمال التي جاءت كرد فعل سريع على جرائم لا تتوقف،كان يمكن استيعابها وسط الظروف الإقليمية والدولية،ولكن 'العقلانية' لا تحضر دائما مع جرائم قتل إنساني وسط الحصار الدائم،وهو ما تعمل حكومة اليمين الفاشي في إسرائيل على استغلاله قدر المستطاع في قطاع غزة ، وأيضا في الضفة الغربية التي تقوم داخلها بأعمال اعتقالية واستيطانية وتهودية بشكل منتظم دون عائق ..
حرب إسرائيل 'المحدودة' حتى الساعة على قطاع غزة،سبقتها عملية هي الأولى منذ الاحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين التاريخية ، عندما أقدمت قوات الاحتلال بشن أوسع عمل اعتقالي ضد نساء بلدة 'عورتا' في محافظة نابلس ( أكثر من 100 معتقلة في يوم واحد) ، تحت ستار عملية قتل العائلة الاستيطانية قبل أسابيع،تركيز الحملة على النساء جاء لفحص مكونات (الدي أن اية) لدم وجد كأثر لمن قتل المستوطنين ، إلى جانب فحص دم كل المعتقلات ، حملة اعتقال وإهانة من نوع جديد ، حدثت وكأنها خبر أقل من عادي تناقلته وسائل الإعلام الفلسطينية مع ،استنكار روتيني من متحدثي السلطة بأركانها المختلفة، ولم تجعل من اعتقال هذا العدد من نساء بلدة عورتا قصة إنسانية خاصة الأعمال اللا أخلاقية بفحص الدم وحامض (الدي أن أيه) ، حدث استبق الحرب المحدودة على غزة،ولم يشكل أي 'هزة' سياسية لا عربية ولا عالمية وبالطبع وقبلهم فلسطينية .
ولذا فالعدوان الحديث – الراهن ضد القطاع هو بعض سياسة الطغمة الحاكمة ، في محيط لا يشكل لها أو عليها أي عامل ضاغط ،الإدارة الأمريكية قائدة التحالف الأطلسي في حرب ليبيا،ومعها الدول الأوروبية حملت الطرف الفلسطيني في قطاع غزة مسؤولية ما يحدث،وأعطت الضوء الأخضر لدولة الاحتلال للعمل وفقا لما تراه'حماية للمدنيين'الإسرائيليين،مبدأ يعكس مدى الانحطاط الذي وصل إليه الغرب الاستعماري ، عندما يتعامل مع رد الفعل الفلسطيني،حتى لو لم نرده أو نراه مجديا، وكأنه سبب يستحق العقاب .. قافزا ومتجاهلا كليا عن الجريمة التي أوصلت لتلك ' النرفزة المسلحة' .
العمل الحربي الإسرائيلي ضد قطاع غزة ، هو مخطط تدريبي لما تعتقد بعض الأوساط في تل أبيب ما يجب أن يكون في لحظة سياسية معينة ، خاصة أن ما كشفت عنه وسائل الإعلام الإسرائيلية عن تدريبات ومحاكاة لحرب لم يعد سرا ، مع ما رافق العدوان الأخير من تصريحات لقادة اليمين الحاكم وجنرالات الجيش ومؤسساته الأمنية بأن الحرب قادمة،تنتظر توقيتا مناسبا.. حرب يراها البعض استباقية لفرض مفهوم إسرائيلي على الحالة العامة في قطاع غزة ، ولوضع مصر أمام اختبار معقد جدا ، بل وتدخل بشكل ما في خريطة الانتخابات المصرية المقبلة ، وتحديدا جماعة' الإخوان المسلمين' إذ يترتب على أي حرب ضد القطاع أن يسلكوا سلوكا سياسيا وعمليا مؤيدا بكل السبل لأهل القطاع،وقد تجد نفسها في 'صدام ما' مع القوة الحاكمة في مصر لو ذهبت بعيدا في العمل،مسألة اختبارية ليست 'ثانوية' في الحساب السياسي ، خاصة لو أن العملية تأتي لحساب أمريكي خاص ، من أجل فرض وقائع سياسية تستبق الانتخابات القادمة ، ومدى 'مصداقية' القوى المختلفة في مصر، من البوابة الفلسطينية ..
فمصر بثقلها الجديد تمثل رافعة أمل للشعب الفلسطيني سواء ما يتصل بإنهاء كارثة الانقسام أو كجدار صد لأي حرب عدوانية تريدها دولة المحتل ضد القطاع ، خاصة مع تصريح وزير خارجية مصر التحذيري لدولة إسرائيل ، لكن 'الفخ الحربي – السياسي' الذي تريده واشنطن لمصر عبر بوابة غزة قد يخلق نتائج معقدة جدا،وربما تكون هي الأكثر أثرا على 'خريطة القوى' المصرية، سواء من يريد مساندة أهل القطاع بالحد الأقصى وصولا لمواجهة ما بين مصر وإسرائيل أو من يريد الذهاب بكل ما يمكن دون الوصول إلى الحرب،أي الذهاب إلى حافة الهاوية دون النزول بها ، وما يمكن أن يراه كثيرون غير ذلك مكتفين بتنديد أو سحب سفير أو خطوات تبدو مختلفة عن الماضي لكنها لا تمنع حربا إسرائيلية ضد القطاع ..قد تجدها إسرائيل مناسبة للسيطرة لفترة زمنية على معبر رفح ورسم معالم مختلفة للحركة والسيطرة من وإلى القطاع ، وهو ما سيدخل مصر في دوامة سياسية لا يعرف نتائجها ..
اختبارات سياسية من حرب محدودة تريدها واشنطن بيد تل أبيب، للدخول في التأثير على الحراك العربي بمختلف مكوناته ..
ووسط هذا العمل العدواني الساطع جدا،خرجت علينا بعض القيادات الرسمية الفلسطينية لتبشر بأن هناك 'نشاط مشترك' بين القيادة الرسمية للشعب الفلسطيني ( المنظمة والسلطة) واللجنة الرباعية الدولية من أجل الوصول إلى صياغة اتفاقية سلام ، كلام أكده تصريح السيد ياسر عبدربه خلال زيارة الرئيس عباس لمصر ، تصريح يقول بأن المسألة التفاوضية والبحث عن 'حل ما' مع حكومة نتنياهو لا يزال يحتل مكانة رئيسية في النشاط والفكر السياسي للقيادة الفلسطينية ، والتي قالت بعض المصادر بأن هناك لقاءات تفاوضية سرية تجري في أوروبا لبلورة 'مشروع ما' قبل انعقاد اللجنة الرباعية في باريس ، فيما تتحدث واشنطن عن 'وجود أمل حل الدولتين' بينما قامت مجموعة إسرائيلية بنشر 'مشروع سلام' في مواجهة مبادرة العرب للسلام .. كلام يعيد للتفاوض والتساوم حضورا وسط حراك شعبي عربي يطيح بقهر وفساد سياسي ومالي ، وسط تصاعد أجواء الحرب الإسرائيلية ضد القطاع ..
عودة الحديث عن السلام والتفاوض مع نتنياهو هذه الأيام يشكل 'خطأ سياسيا' يصل إلى درجة الخطيئة، ليس فقط لكونه حدثا لا مكان له مع حكومة نتنياهو الراهنة ، بل لأن هو يشكل غطاء سياسيا لحرب تل أبيب الحالية والمقبلة، لا يحتاج أي مواطن فلسطيني أو عربي لجهد ليعرف أن الحكومة الإسرائيلية بقيادة 'ثالثوث الشر' نتنياهو – ليبرمان – براك لا صلة لها من قريب أو بعيد بالسلام أو التسوية بكل أشكالها ، لذا فالحديث عن اتصالات أو لقاءات أو أي شيء من هذا القبيل الممل جدا ، ليس سوى خطأ قاتل ، ولا يجوز الاستمرار به حتى ذريعة 'قطع الطريق على إسرائيل' .. انتهى الوقت يا سادة لمثل هذه الأقاويل الضارة.. ابحثوا ملفات أكثر نفعا للشعب والقضية ، ومن يتحدث عن 'سبتمبر الحاسم' عليه أن يظهر فعلا كطرف جاد وحاسم في خياراته المقبلة ، كي تتعامل الأطراف كافة مع تلك 'الخيارات المفترضة' بشيء من الجدية والتقدير..
بل إن الحديث عن هذه المسألة وسط 'المبادرات' والجهود عن إنهاء الانقسام ليس سوى رسالة سلبية جدا ، وكأنها تنسف ما يتم تعبيده على الأقل إعلاميا..
ملاحظة:قبل 63 عاما حدثت مجزرة دير ياسين .. هل يتعظ البعض ويعمل صادقا ومخلصا لوقف 'المجزرة السياسية' الراهنة ضد الشعب الفلسطيني وقضيته ..
تاريخ : 10/4/2011م
