بين الثورة الصينية الفلسطينية: بين التحرر الوطني والخيانة الطبقية

تابعنا على:   16:27 2025-02-20

مارسيل غطاس 

أمد/ في مسيرة التاريخ، لم تكن الثورات مجرد انتفاضات عابرة، بل كانت زلازل تطيح بأنظمة الظلم والهيمنة، وترسم معالم عالم جديد تُعاد فيه صياغة السلطة، والثروة، والكرامة الإنسانية. والثورة، في جوهرها، ليست مجرد معركة ضد المحتل، بل ضد نظام الاستغلال برمته، سواء أكان ذلك في صورة إمبريالية عسكرية، أو برجوازية محلية متواطئة. وفي هذا السياق، نجد بين الثورة الصينية والثورة الفلسطينية قواسم مشتركة تتجاوز الاحتلال إلى صراع أعمق بين الجماهير المقهورة من جهة، والطبقات المستفيدة من استمرار القمع من جهة أخرى.

الاحتلال والإمبريالية: أدوات النهب والاستغلال

لم يكن الاحتلال الياباني للصين مجرد غزو عسكري، بل كان امتداداً لمشروع استعماري عالمي يهدف إلى تحويل الشعوب إلى أدوات إنتاج لخدمة رأس المال الإمبريالي. وبالمثل، فإن المشروع الصهيوني في فلسطين لم يكن مجرد استيطان عابر، بل كان جزءاً من مخطط استعماري بريطاني-غربي هدفه الاحتلال العقدي والمادي، يهدف إلى إبقاء المنطقة أسيرة لاقتصاد الاحتكار والهيمنة. فلسطين، مثل الصين آنذاك، ليست مجرد أرض محتلة، بل موقع استراتيجي تستغله القوى الرأسمالية العالمية لإدامة سيطرتها على موارد الشعوب.

الطبقات العميلة: الوجه الآخر للاحتلال

الثورات لا تقوم فقط ضد المحتل الأجنبي، بل أيضاً ضد من يخدمونه من الداخل. في الصين، دعمت الطبقة البرجوازية ونخب المال والإقطاع الاحتلال الياباني، لأنها رأت في الاستعمار ضماناً لاستمرار نفوذها الاقتصادي. في فلسطين، تكرر المشهد ذاته: طبقة سياسية واقتصادية طفيلية، تدّعي تمثيل الشعب، لكنها في الواقع تعقد الصفقات مع العدو، وتُطبع العلاقات، وتبني ثرواتها على حساب معاناة الفقراء.

وكما أدركت الثورة الصينية أن التحرر لا يتحقق إلا بالإطاحة بهذه الطبقة المتواطئة، فإن الثورة الفلسطينية اليوم لن تكتمل إلا بكنس كل من باع دماء الشهداء على طاولات “الاستثمارات” و”الصفقات الاقتصادية”، وتحالف مع العدو في مواجهة المقاومة الشعبية الحقيقية.

المقاومة الشعبية: سلاح الكادحين في وجه الطغاة

لم تنتصر الثورة الصينية بالدبلوماسية، ولا بالمفاوضات، بل عبر حرب شعبية طويلة استندت إلى دعم العمال والفلاحين، الذين كانوا الوقود الحقيقي للتحرر. وحين أدرك الصينيون أن لا خلاص لهم في ظل نظام اقتصادي يخدم الأسياد، قلبوا الموازين وأسقطوا رموز الإقطاع والاحتكار.

واليوم، يدرك الفلسطيني المقاوم أن الرصاص لا يُصوَّب فقط نحو العدو المحتل، بل أيضاً نحو الطبقة التي تعمل على خنق الثورة من الداخل. كما حطمت الثورة الصينية قيود التبعية الغربية، فإن الثورة الفلسطينية لن تنتصر إلا إذا تحررت من قيود “التنسيق الأمني”، و”المبادرات الاقتصادية”، وكل المسميات التي تخفي حقيقتها كأدوات لإدامة الاستعمار.

الحصار والتجويع: تكتيك الإمبريالية ضد الشعوب

حين فشلت الإمبريالية في هزيمة الثورة الصينية، لجأت إلى سياسة التجويع والحصار، محاولةً إركاع الجماهير عبر سلاح الاقتصاد. واليوم، تمارس الرأسمالية العالمية الأسلوب نفسه مع فلسطين: حصار، قطع للتمويل، محاولات إخضاع المقاومة عبر الإفقار الممنهج. لكن كما كسر الفلاح الصيني طوق الجوع بيده التي حملت المنجل والبندقية، فإن الفلسطيني اليوم يخلق اقتصاد صموده، رافضاً أن يكون لقمة سائغة في أفواه المحتلين وعملائهم.

الاستقلال الحقيقي: لا وطن بلا عدالة اجتماعية

لم يكن انتصار الثورة الصينية مجرد خروج المحتل، بل كان بناءً لدولة جديدة قائمة على العدالة، وتحطيم كل النظم القديمة التي كانت تخنق الطبقة العاملة. أما فلسطين، فلا يمكن لها أن تتحرر حقاً إذا كان من سيحكمها بعد الاستقلال هم أنفسهم الذين خانوا الثورة في زمن الاحتلال.

التحرر الوطني الحقيقي لا يكون باستبدال مستعمر خارجي بطبقة استغلالية داخلية، بل ببناء دولة الشعب، حيث لا يكون الوطن حكراً على فئة، بل ملكاً لمن دافع عنه بدمه وعرقه وكفاحه. وكما أسقطت الثورة الصينية كل رموز الاستغلال، فإن الثورة الفلسطينية يجب أن تكنس من طريقها كل من جعل من “القضية” مجرد استثمار شخصي، أو “مشروع تفاوضي”، أو وظيفة لخدمة الاحتلال.

ختاماً: الثورة لا تُستجدى، بل تُنتزع

التاريخ لا يرحم الشعوب التي تتخاذل، ولا يمنح الحرية لمن يطلبها من عدوّه كمنحة أو هدية. الصين نالت حريتها لأنها لم تنتظر العالم أن ينصفها، بل فرضت واقعها بدماء المناضلين. وفلسطين اليوم في ذات الطريق: بين الخضوع للواقع المفروض، أو تغييره بقوة المقاومة الشعبية، وبالتحام العمال والفلاحين والفقراء في جبهة واحدة ضد الاحتلال ومن يخدمه.

إن فلسطين، كما كانت الصين، ليست للبيع، ليست للمساومة، وليست مجرد قضية تُناقش في أروقة الدبلوماسية العقيمة. فلسطين ثورة، والثورة لا تعترف إلا بلغة واحدة: من أراد الأرض، فعليه أن ينتزعها، ومن أراد الحرية، فعليه أن يسحق كل من يقف في طريقها، سواء أكان عدواً محتلاً أو خائناً محلياً.
 

اخر الأخبار