حين تُرفع الرايات وتنحني الأوطان
مارسيل غطاس
أمد/ في وطن أنهكته الانقسامات، وأصبحت سيادته وجهة نظر، تتكرّر المشاهد ذاتها: تُرفع الأعلام، وتُحيَّد الدول، ويُختزل الانتماء الوطني في شعارات حزبية عابرة للحدود. ليس مستغرباً أن يرى اللبنانيون والفلسطينيون علمي بلديهما متوارِيَيْن خلف سيل من الرايات الحزبية التي تتقدّم عليهما في الساحات والمواكب، وكأنّ الانتماء للوطن أصبح تفصيلاً، بينما الولاء للفصيل هو الحقيقة المطلقة.
في كل استعراض “انتصار”، تُرفع الرايات على أسطح الأبنية المتهالكة، وتُغطّى بها شرفات المنازل، بينما الأعلام الوطنية، اللبنانية والفلسطينية، تُرفع بتحفّظ أو تُترك جانباً، وكأنها مجرد مستلزمات بروتوكولية لا أكثر. كيف وصلنا إلى هذه المعادلة العبثية حيث يصبح الولاء للوطن تهمة، والتمسّك بالهوية خيانة؟ وكيف باتت الشرعية تُستمدّ من السلاح لا من الدستور، ومن الشعارات لا من إرادة الشعوب؟
في شوارع بيروت وغزة، كما في المخيّمات والعشوائيات في كلى البلدين، بات المشهد مألوفاً: رايات الفصائل والأحزاب ترفرف فوق الأعلام الوطنية، كأنّ الأوطان باتت تُختصر بحزب، والمقاومة باتت تُختزل بجهة، وكأنّ فلسطين ليست إلا ورقة في صراع الهيمنة، ولبنان ليس إلا ساحة تُدار منها معارك الآخرين من عجم وعرب وفرس.
لكنّ المعضلة ليست فقط في الأعلام التي تُرفع، بل في تلك التي تُقصى، في رمزية تغييبها، في الرسالة التي توجّهها إلى الشعوب: أنتم لستم مواطنين، أنتم مجرد أفراد في منظومة أكبر من أوطانكم، عليكم أن تتماهوا مع راية الجماعة، لا مع راية الوطن، لأنّ الدولة ليست لكم، بل للحزب الذي يرعاكم، والطائفة التي تحميكم، والقضية التي تحدّد هويّتكم والا الهجرة وجهتكم.
ما معنى أن يُرفع العلم الحزبي فوق العلمين اللبناني والفلسطيني؟ وما مدلول أن تكون القضية الفلسطينية، التي يفترض أن تكون رمزاً للنضال ضد الاحتلال، رهينة لأجندات داخلية تحوّلها إلى أداة لتعزيز السيطرة؟ أليس في ذلك تناقض مع جوهر المقاومة التي تنادي بالحرية والسيادة؟ كيف يُبرَّر رفع علم حزب او فصيل فوق علم الوطن، وكأنّ السيادة الوطنية مجرّد تفصيل قابل للتجاوز، والشرعية مستمدّة من فوهة البندقية لا من إرادة الناس؟
إنّ الانتصارات التي تُحتفى بها اليوم، ليست انتصارات الشعوب بقدر ما هي انتصارات الفصائل على الدولة، انتصارات الولاء على المواطنة، انتصارات الأيديولوجيا على المنطق. وما قيمة أي انتصار إذا كان ثمنه تغييب الدولة، ومحو الهوية، وإخضاع الأرض لسلطة الأمر الواقع؟
في زمن “المقاومة المُطلقة”، يُفرض على الشعوب أن تختار بين الانتماء للحزب أو الانتماء للوطن، بين رفع العلم الوطني بخجل أو استبداله برايات تُعطي الشرعية للسلاح الخارج عن سيادة الدولة والشرعية. ولكن، هل يُمكن لأمّة أن تتحرّر، إن كانت أوطانها مكبّلة بقيود الفصائل والأحزاب ؟ هل يُمكن لشعب أن ينتصر، إن كانت راياته الوطنية تخضع لمزاج الولاء الفئوي والعقائدي؟
قد يتغيّر المشهد السياسي، وقد تتبدّل الخرائط، ولكن الثابت الوحيد هو أنّ وطناً بلا علم، هو وطن بلا هوية، وأنّ مقاومة لا تحترم سيادة الأوطان، ليست مقاومة، بل مشروع استبداد مقنّع.
