اسقط الطوفان منهج التسوية فهل وضعنا على طريق التحرير
صالح عوض
أمد/ في مثل القضية الفلسطينية يكون من العبث الانشغال بالتفاصيل اليومية للاشتباك -مهما كانت قاسية- عن التنبه للسياق العام التاريخي والعالمي الذي شكلها ويسيطر على مسارها، والانتباه الى أين وصلت سيطرة قوة العصابة الدولية المهيمنة، فهي ليست قضية موضعية محلية وإقليمية فحسب مع أهمية ذلك، بل عالمية بارتباطها العملي المباشر ببرامج من يوجهون ما يجري في العالم.. ومن هنا كم تبدو سطحية أولئك الذين يبحثون عن حلول سياسية في معزل عن إدراك أن حقيقة الحل هنا ترتبط بقوة الدفع العالمي من قبل العصابة المتحكمة، وتصدي القوة الذاتية لدى الشعب الفلسطيني والعرب وحلفائهم وفاعليتها.. وهذا ما يفسر فشل السياسي الفلسطيني عندما اعتقد انه بإمكانه الوصول الى حل في خارج ميدان الصراع المحتدم العنيف، وأخطأ المثقف الفلسطيني الذي نزع القضية من سياقها الطبيعي والتاريخي فتصور أنه بالإمكان النجاة من التضحيات الجسيمة، ان ذلك يعني بوضوح عدم معرفة بالعدو وطبيعته واستراتيجيته.. نحن مدعوون دوما للتذكير بهذا من حين إلى آخر للتنبيه كيلا نغرق في التفصيلات لإغراقنا في سيطرة الواقعية، وكذلك لتصحيح مسار الحديث والوعي عن الصراع الدائر في الإقليم والعالم وأين نضعه على مسار التاريخ لندرك بجلاء مآلاته والى أين يتجه وأي مرحلة نحن منه الآن.. إنها قضية صراع بين منهجين وعالمين ومنظومتين متناقضتين من الأخلاق والقيم والمصالح.. وعلى ضوء الصراع حولها وفيها ستتحدد وجهة العالم.. ومستقبل العرب والمسلمين بل ومستقبل رسالة الاسلام" القيم والمنهج"
فلسطين المكان الزمان:
إذا صحت نظرية المفكر الشهيد جمال حمدان عن "المكان وعبقريته" في أماكن كثيرة فإنّها أكثر صحة وتجليا عندما يكون الحديث عن فلسطين.. ففلسطين بوابة السماء بل سماء الله الأولى.. وفلسطين بداية حضارة الانسان ومهد الانبياء والرسل جميعا، وشاهدت تتويج الإمبراطوريات وشهادة سقوطها، وفلسطين تاج العرب ان سقطت عن رؤوسهم انتكست هاماتهم، وضربهم الذل في أعماقهم.. فلسطين ليست حدثا جغرافيا كبيرا فقط -التقاء إفريقيا بآسيا- وجسر توحد عربهما، وإنما هي أيضا الأقرب في وجدان أصحاب الديانات والقداسة ومغامرات الغزاة وطموحاتهم الكبيرة، وهي ان كانت سر وجود بلاد الشام فهي كذلك سر أمن مصر وهي مع ذلك كله منارة عشق الصوفيين عبر العالم..
تأتي الأهوال كبيرة على فلسطين حتى تنخلع القلوب ويهتز اليقين وتعلو الشرور حتى إذا ما ظن الجميع أنها القدر تململت فلسطين لتمور الأرض تحت أقدام الطواغيت وتقوم من تحت الرماد مكررة اسطورة العنقاء الكنعانية.. فلسطين تمنح أهلها رباطا عنيدا وصلبا كما إنها تجبل أهلها بالود واليقين والبأس الشديد وتجلي قيم الإنسان بكل وضوحها فتجعله أكثر توازنا وأبعد ما يكون عن السلبية والتطرف والخمول.. وهي تحمل كل المبادئ التي تحدد ملامح شخصيتها بأصالة وعمق دونما تنطع.. فهي عربية صافية دون عصبية وهي متدينة تماما دونما تيبس وهي عشق للمكان وتماهي فيه دونما شوفينية واحتقار لسواها.. هي حنونة على بنيها ولكنها مرحبة بسواهم.. هي استثناء في الجبلة والتكوين والمهمة والمكان.
كشف التعاطف العالمي الواسع المتميز -لاسيما في الغرب وأمريكا بالذات- مع فلسطين في ملحمتها الأخيرة الى أي مدى تشغل فلسطين الوجدان والوعي الإنساني لارتباطها بقضاياهم بشكل مباشر وعميق.. إنها قلب العالم الذي بنبضه تنهض آمال الإنسانية وقيمها رغم طغيان الرواية الشريرة وقوانينها المستبدة، وفي فلسطين تتقاطع الإستراتيجية مع الرمزية والمصالح مع السيادة والتاريخ مع توجهات التسيد على العالم وهي تواجه إرادة الشر وأدواته المتنوعة لإسكاته عن النبض فلعلها آخر معارك الطغيان ضد بقية الإيمان والإنسان.. ولكن بعيدا عن الضجيج فان كل شبر في أرض فلسطين يتحسس خصائصه في هذه الأثناء ويفرك عينيه في قيامة هي الأعسر في التاريخ جذوره ويمزق حجب الظلام ويضم إليه أبناء الأرض في وحدة عضوية تكشف عن عبقرية المكان وما انتخبوا إليه من مهمات لها وظيفة استثنائية في تصحيح مسار البشرية.. يعرف الجرح إلى أين المصب ولا تعرف خفافيش الليل إلى أين الرحيل فتتساقط على جنبات الطريق غير مأسوف عليها.. انه الطوفان يتجدد والكل يجدف ورغم ان عناصر قوة الواقع كلها ضد الفلسطيني إلا أن يديه تجدف مع حركة التاريخ.
المشهد الدولي في ذروته:
ما يجري في عالمنا الإسلامي ووطننا العربي له علاقة مباشرة بسياقات الصراع والتنافس الدولي وفلسطين هي العصب المركزي في هذا كله ومن العبث محاولة فهم ما يجري في عالمنا ووطننا وفلسطين دون تدبر ما يجري في أقطاب صناع القرار الدولي ..
من يتدبر السياق التاريخي لحركة النظام الدولي الجديد عبر ما يقارب قرن ونصف يكتشف بسهولة أن صناع النظام الدولي مروا بمراحل متتالية متطورة حتى بلغوا ذروة تسيدهم على العالم وقد صنعوا لضمان التسيد مرتكزات إستراتيجية وأدوات مناسبة تماما بعد ان قضوا نهائيا على استقلال الدول عندما دمروا مرجعياتهم المالية وكان ذلك هو الهدف الأول لصناع النظام الدولي فكان إسقاط الإمبراطوريات اليابانية والروسية والألمانية والعثمانية الخطوة الكبيرة التي توجت بالحرب العالمية الاولى التي وجهت للعالم القديم شهادة الوفاة لتبدأ بعدهما عمليات التجميل وصناعة القانون الدولي فكان لابد من الحرب العالمية الأولى التي توجت بتقسيم النفوذ في العالم على حسب قوة صناع النظام الدولي الجديد.. وكان تكريس إسرائيل دولة في قلب العرب احد أهم تجليات انتصار صناع النظام الدولي الذين اشتغلوا بعدة عناوين في العالم وبمجموعة شعارات وظفوا لها الإعلام والسياسة والمال..
لقد ظن صناع النظام الدولي الجديد أنهم أنجزوا المهمة الكبيرة على مستوى البشرية إلا أن كثيرا من الأزمات برزت نتيجة الاستغلال الجشع للطاقة والتصنيع مما أصبح له الأثر الكبير على المناخ واحتمالات تغيرات في الطقس والخرائط الجغرافية.. وكما كان لتملك تلك العصابة الهيمنة على الصناعة التكنولوجية فكذلك كان لها تملك صناعة الرأي العام العالمي بل والأفكار وأحيانا الديانات والاحزاب والنخب في العالم بالإضافة الى الأجهزة المتنوعة الإعلامية والأمنية والهيمنة على توجهات الدول في العالم في مجال التعليم والمعرفة ومع هذا فان هامشا في حواشي النظام الدولي الجديد أصبح مسموحا له بالظهور من حين الى آخر تمردا على سياسات استحواذية طغيانية هنا او هناك الأمر الذي ظهر جليا في مواقف بعض المنظمات الدولية التي لم تنشأ إلا لتكريس سلطة صناع النظام الدولي..
عملية ضخمة كان على صناع النظام الدولي انجازها لكي يستقر لهم الأمر بعد ان أصبح المال بأيديهم ومرجعية مال العالم بأيديهم وبعد أن تحكموا في التجارات الإستراتيجية والأمن الاستراتيجي في العالم.. ولكن في هذا السياق لم تسر الأمور دوما كما تريد العصابة.. ولقد كلفت هذه العملية الدول الغربية لاسيما الولايات المتحدة الأمريكية ثروات ضخمة الأمر الذي أثق كاهل المواطنين في تلك الدول دافعي الضريبة، صحيح أن عصابة المال لا تخسر شيئا بشكل ظاهر ولكن خسارة الدول والشعوب كبيرة الأمر الذي يهدد استقرارها وضياع فرضة استغلالها من قبل عصابة المال العالمية.. هذا واضح في مدى التفسخ البنيوي في الولايات المتحدة ومظاهر التضخم والضعف الاجتماعي وإحالة ملايين الناس إلى البطالة والى المشردين بلا مأوى وبلا تأمين صحي.. والنذر عديدة تأتي من نواحي عديدة في تركيبة الولايات المتحدة مهددة بالتصدع والتفسخ.
وعلى المستوى الخارجي أخذت بعض الدول سبيلها في تشكيل منظمات اقتصادية كبيرة تحرر عملاتها من مرجعية الدولار وتفتح أسواقا تكاملية فيما بينها ولعل البريكس والصين وسواها من الدول أصبحت الخطر الكبير على اقتصاد الولايات المتحدة وهيمنتها وتسيدها على العالم.. وهنا تصبح اللعبة أكبر من حدود ما توقعته العصابة المالية الرأسمالية في الولايات المتحدة والتي تشكل نسبة العائلات اليهودية معظمها.. وهنا بوضوح أصبح البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في انحسار نفوذ بعد ان تشكلت منظمات مالية عملاقة في العالم مهيأة للتطور..
كان على الدولة الأمريكية أن تدفع أموالا ضخمة عبر العالم للأحزاب والأمن والإعلام والدول لكي تضمن سير الأمور في تلك الدول وفق سياساتها واستقرار الأنظمة والسياسات بما لا يهدد مصالح العصابة المالية في واشنطن.. فكان الدفع من خلال الحروب المشتعلة في كل مكان والتي تحركها تلك العصابة المالية والدفع من خلال العمل السري والأمني فكان على الدولة الأمريكية ان تدفع في كلا الحالين والتكلفة تعود على دافع الضرائب في أمريكا والمستفيد الوحيد هو تلك العصابة التي تمتلك المصانع الحربية والشركات العملاقة والإعلام.. وان كان الجهد الأكبر في هذه العملية يأتي من قبل قيادة العصابة في واشنطن إلا أن الدوائر التابعة لها من مؤسسات ومراكز وشراكات في الدول الغربية تواصل عملها في تفتيت عناصر القوة في الأمة.. وكان نتيجة ذلك تكلفات باهضة على الدولة الأمريكية الأمر الذي جعل لمنطق ترمب وجاهة كبيرة وهو ينسحب الى الداخل للتخلص من التكلفات الكبيرة وهذا في حد خيار بين اثنين أحلاهما مر: إما الاستمرار في التيه والإسراف او العودة للذات و فقدان أدوات التدخل والسيطرة الى حد ما وحينذاك يتقدم الآخرون.
فلسطين خاتمة كما أنها بداية:
كما ان الاستهداف الشيطاني نحو فلسطين كان تتويجا لانتصار النظام الدولي على الكيان السياسي للامة وعلى وحدتها الجغرافية والسياسية وكانت فلسطين بذلك هدفا ضامنا للعملية الاستعمارية كلها.. فهي كذلك بداية نهضة العرب والمسلمين والأحرار المستضعفين في العالم..
ومن هنا بالضبط تأتي قيمة الطوفان المعجزة، الذي جاء في غير سياق الأحداث وعجلة الاستحواذ والهيمنة الأمريكية.. ولكنه بلا شك جاء نتيجة ذلك كله، بقوة رد الفعل العميق، الذي تزود بما تمنحه الجغرافيا والتاريخ مكانا وزمانا قيمة استثنائية.. من هنا جاء الطوفان وفي غير الحسبان لتكون مفاجأته الصادمة ليهز الواقع الإقليمي والدولي بقوة، ولأنه أصيل وعميق استطاع حتى اللحظة ان يسقط كل خطط الصهاينة الأداة المحلية للعصابة الدولية.. بل وأحبط قادة العصابة بعد سنة ونصف من مواجهة مستحيلة.
فلسطين الآن تقاتل ببعضها بأقل من نصف مساحتها وأقل من نصف شعبها كل الشر العالمي الضخم والوحشي وهي ان كانت تجعل من غزة حصنها وقاعدة قيامتها ومسجلة الصفحة الأولى في المعجزة الا إنها تمتد الآن في مدن الضفة الغربية وسيجد الفلسطينيون قريبا أنفسهم في صياغة جديدة ومع كل قطرة دم فلسطينية ومع كل صرخة حق فلسطينية ومع كل عملية فدائية فلسطينية تنهض خلايا الجسم العربي وتتحرك القلوب المهدودة في أمتنا ويجد الشرفاء في الأمة سبلهم نحو الكرامة فلئن كان اليمن ولبنان فقط معنا في هذه الجولة الأولى من الملحمة الأخيرة فان الطوفان لن يتوقف قبل ان يزيح كل العوائق بين شرفاء الأمة وواجبهم نحو أنفسهم.. ولن يستطع المتخاذلون او الخائنون او الجبناء ان يصدوا نهر التاريخ بأكفهم.. والله متم نوره ولو كره الكافرون.
