حزب الله: حين يتهاوى التاج الذهبي لمعادلة الردع
مارسيل غطاس
أمد/ في ليلة عاصفة من الغموض والترقّب، وجد “حزب الله” نفسه عاريًا أمام معادلةٍ ظلّ يخطّ معالمها بالدم والنار، فإذا بها تهتزّ بين يديه، تترنّح أمام ضربات القدر أو الحسابات. فلطالما بنى شرعيته على أنه السيف الذي لا يُكسر، والظلّ الذي لا يختفي، والمارد الذي يثأر قبل أن يجفّ الدم على الأرض. لكنه اليوم، وهو يقف عند مفترق خطير، يبدو كأنّه يُختبر أمام جمهوره للمرة الأولى: أيردّ فيعيد ترميم هيبته، أم يحبس الغضب في صدره ويترك جرح الكبرياء يتفاقم داخل بيئته؟
ليس مجرد اغتيالٍ يستدعي الردّ، بل إنه امتحانٌ لأسطورةٍ نُسجت من نار. فقد كان نصرالله في وجدان بيئته “المقدّس الذي لا يُمسّ”، ورمزًا تخطّى حدود القيادة إلى مرتبة الأسطورة التي لا تتكرّر. والآن، إذا مرّ الحدث بلا ردٍّ بحجم الزلزال، فإن الهالة التي أحاطت بالحزب لعقود ستبدأ بالتشقق، ليطلّ السؤال القاتل: هل ما زال الحزب قادرًا على فرض قواعد اللعبة، أم أن سيفه قد أصابه الصدأ في متاهات الحسابات الإقليمية؟
لكن الأخطر من ذلك، هو ما يمكن أن تُفضي إليه هذه اللحظة من تحوّلات جذرية. فإذا كان الحزب قد استمدّ وجوده من فكرة “حماية لبنان والردع”، فماذا لو أُعيد ترتيب المشهد الوطني بحيث يُسلَّم السلاح إلى الدولة، ويتولّى الجيش اللبناني وحده حماية الحدود وردّ العدوان؟ ماذا لو تبدّلت المعادلة التي ظلّ الحزب يستند إليها ليبرّر بقاءه قوةً عسكرية منفصلة عن الدولة؟
حينها، لن يكون تراجع الهالة مجرد أزمة داخلية، بل بدايةً لانحسار دور الحزب كقوة فوق الدولة، وسيفتح الباب أمام إعادة رسم الخريطة السياسية والميدانية في لبنان. فالحزب الذي اعتاد أن يكون هو المعادلة، قد يجد نفسه يومًا ما مجرد متغيّرٍ فيها، مضطرًا للعودة إلى لعب الأدوار السياسية التقليدية في ظل دولةٍ قرّرت استعادة سيادتها كاملة.
قد لا يكون هذا المصير قريبًا، لكنه يلوح في الأفق كقدرٍ محتوم كلما فقد الحزب مبرّرات وجوده كقوةٍ عسكرية منفصلة. وإذا استمرّت التوازنات الإقليمية في فرض إيقاعها، فإن السؤال الذي يخشاه الحزب قد يصبح حقيقة: كيف يبدو “حزب الله” حين يخلع عباءة المقاومة، ويعود مجرّد حزبٍ سياسي في دولةٍ ذات سيادة؟
