مفاوضات بين السلاح والكلمة … حين تتكلم البنادق وتصمت الحقيقة
مارسيل غطاس
أمد/ في قاعات المفاوضات المغلقة في القاهرة، حيث يتقابل المتخاصمون بوجوه متعبة وكلمات مثقلة بالحسابات، لا يبدو أن أحدًا يحمل الحقيقة مجردةً كما هي، بل يلبسها ثوب القوة، أو يلونها بلون المصالح. لا يتفاوضون على المصير، بل على من سيتحكم به؛ لا يتجادلون حول المستقبل، بل حول من سيكتب أول سطر فيه، ومن سيضع النقطة الأخيرة.
إذا كنتَ تمسك مسدسًا، وأنا أمسك مسدسًا، يمكننا حينها الحديث عن القانون.
وإذا كنتَ تمسك سكينًا، وأنا أمسك سكينًا، يمكننا حينها الحديث عن التنظيم والقواعد.
لكن حين يكون لديك مسدس، وأنا لا شيء، يصبح القانون وجهة نظر، والتنظيم لعبة أدوار، والحقيقة ملكًا لمن يفرضها بقوة النار.
هكذا تجري الأمور، لا فقط في قاعات المفاوضات، بل في أرض الواقع أيضًا. ومن يدفع الثمن؟ ليس من يملك المسدس، وليس من يضع توقيعه على الورق، بل هو الشعب الفلسطيني، في الداخل والشتات. الشعب الذي يقف عاري اليدين أمام حسابات الساسة، يُدفع إلى طاولات القمار السياسي، يُفاوض باسمه من لا يحمل جراحه، ويقرر مصيره من لم يذق طعم اللجوء، ولم يسكن خيام الانتظار الطويل.
القضية في مهبّ الصفقات
منذ عقود، وفلسطين ليست إلا رقعة شطرنج تُحرَّك فيها البيادق وفقًا لمصالح اللاعبين الكبار، بين صفقات تُبرم في الظلام، واتفاقيات تسقط أمام أول اختبار للواقع. اليوم، يجلس القادة على طاولة التفاوض ويتحدثون عن “اليوم التالي”، وكأن الأمس لم يكن سلسلة من الإخفاقات والانقسامات التي أوصلت القضية إلى حافة الضياع.
يتحدثون عن إدارة غزة بعد الحرب، لكن من سيدير الشتات الفلسطيني الذي وُلد في المخيمات، وشاب في الملاجئ، ومات منتظرًا وطنًا لم يأتِ؟ يتحدثون عن إعادة الإعمار، لكن من يعيد إعمار ما تهدم في قلوب الأجيال التي لم تعرف إلا النكبات والخسائر؟ يتفاوضون على وقف إطلاق النار، لكن هل سيتوقف النزيف الداخلي؟
وحدةٌ مؤجلة، وانقسامٌ أبدي؟
لقد خاض الفلسطينيون معاركهم دائمًا ضد المحتل، لكن معركة اليوم أخطر، لأنها ليست فقط ضد العدو، بل ضد الانقسام الذي صار أشد وطأةً من الحصار. وحدة فلسطينية تُناقش في المؤتمرات، لكنها لا تُنفّذ على الأرض، تظل حبراً على ورق، لأن من يضع القواعد لا يلتزم بها، ومن يطالب بالوحدة يخشى أن يخسر امتيازاته.
وإذا كانت الوحدة تُقاس بالقوة، فمن يملك القوة اليوم؟ ومن سيقبل أن يتنازل عنها من أجل المصلحة العامة؟ إن الذين يصنعون القواعد هم عادةً من يخرقونها، لأنها لم تكن يومًا لصالح الضعفاء، بل سلاسل تُكبّل بها الأيدي التي لم تحمل سلاحًا، وأغلال تُقيّد بها القضية حتى لا تخرج عن الخط المرسوم لها.
الخاسر الأكبر: فلسطين
في كل مفاوضات، هناك رابح وهناك خاسر، وفي مفاوضات القاهرة، الخاسر الحقيقي ليس فصيلًا دون آخر، ولا جناحًا دون غيره، بل الخاسر هو فلسطين، الأرض التي تنكمش يومًا بعد يوم، والشعب الذي يُدفع نحو المزيد من الانقسام والتشتيت، والمخيمات التي تُنسى، والقدس التي يُترك بابها مفتوحًا أمام الاقتحامات.
وحين تنتهي هذه الجولة، ستُرفع الأقلام، وستجف الأوراق، وسيخرج كل طرف ليعلن انتصاره، لكن الحقيقة ستظل صامتة، لأن المنتصر الوحيد هو من فرض شروطه، والخاسر الوحيد هو القضية التي كان يجب أن تكون فوق الجميع.
فإلى متى يبقى الفلسطيني يحمل جراحه وحده، بينما يتفاوض الآخرون على مستقبله؟
إلى متى تبقى اليد التي تحمل غصن الزيتون مكسورة، بينما تُرفع الأيدي الأخرى لتوقع على تقسيمات جديدة، وحلولٍ لا تُحلّ بها أي قضية؟
في النهاية، ستنتهي المفاوضات، لكن فلسطين ستبقى معلقة بين الأيدي، تنتظر من سيمد يده أولًا بلا سلاح، ليحملها لا ليقسمها، ليوحدها لا ليضعها على طاولة المقايضة.
فهل يكون الغد مختلفًا، أم أن الحقيقة ستظل بين يدي من يملك القوة، ويبقى الفلسطيني مجرد متفرج على وطن يتلاشى في المفاوضات؟
