خلي السلاح صاحي
مارسيل غطاس
أمد/ لم تكن مجزرة اليوم في غزة مجرد حلقةٍ دموية أخرى في مسلسل العدوان الإسرائيلي، بل كانت فصلاً محسوبًا في استراتيجيةٍ أبعد وأعمق، عنوانها الأبرز: نزع سلاح المقاومة في غزة، كخطوةٍ أولى نحو إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط وفق رؤيةٍ أمريكية-إسرائيلية، تسير بخطواتٍ مدروسة على امتداد المنطقة.
وفي هذا السياق، جاء الاستدعاء العاجل لوفد قيادة حماس إلى القاهرة، حيث لا تُطرح المسألة من زاوية وقفٍ مؤقتٍ لإطلاق النار، بل تُدار كعمليةٍ تفاوضية قسرية، جوهرها تجريد غزة من سلاحها، وإعادة إنتاج نموذجٍ فلسطينيٍّ ينسجم مع مخططات إعادة ترتيب المنطقة، تمامًا كما يجري التمهيد لنزع سلاح الفصائل الفلسطينية في لبنان وسوريا ضمن رؤيةٍ متكاملةٍ لما يُسمى “الشرق الأوسط الجديد”.
المجزرة كرسالة سياسية: السلاح مقابل البقاء
ما حدث في غزة لم يكن مجرد استهدافٍ عشوائي، بل عمليةٌ نوعيةٌ، جرى خلالها تصفية قياداتٍ بارزة في حماس، ليست فقط باعتبارها شخصياتٍ قيادية، بل لأنها تشغل مواقع تمثل “أعمدة الحكم” داخل القطاع. وهذه الضربة الموجعة ليست سوى مقدمةٍ لفرض خيارٍ أحادي: إما تسليم السلاح، أو مواجهة استنزافٍ مديد ينتهي بتفكيك منظومة المقاومة.
إسرائيل لم تُخفِ نواياها، بل صرّح نتنياهو صراحةً بأن عمليته العسكرية تهدف إلى “تقويض حكم حماس”، وهي جملة تحمل بين طيّاتها أكثر من مجرد إسقاط الحكومة الفعلية في غزة، بل الإطاحة بأساس مشروع المقاومة برمّته. فالمعادلة لم تعد تدور حول تهدئةٍ مؤقتة، بل حول تغييرٍ جذريٍّ لقواعد الاشتباك، حيث لن يكون هناك وقفٌ لإطلاق النار قبل تسليم السلاح، ولن يكون هناك اعترافٌ بحكم حماس إن لم تتخلَ عن ذراعها العسكري.
الضغط المصري-الأمريكي: القاهرة كمنصة لفرض الشروط
الاستدعاء السريع لوفد حماس إلى القاهرة لم يكن مبادرةً مصريةً منفردة، بل جاء في إطار تفاهمٍ ثلاثيٍّ بين واشنطن، تل أبيب، والقاهرة، يهدف إلى دفع حماس نحو خيارٍ واحد: التفكيك الذاتي لقوتها العسكرية، وهو نفس السيناريو الذي يجري الترتيب له في مخيمات لبنان وسوريا، حيث تتسارع المساعي لإغلاق ملف الفصائل المسلحة، ضمن مشروع إعادة هندسة الوضع الإقليمي، بما يخدم الأجندات الدولية أولاً وأخيرًا.
هذه الضغوط ليست معزولةً عن المشهد الأشمل، بل تأتي في سياقٍ متصلٍ برؤية أمريكية-إسرائيلية تمتد من غزة إلى بيروت ودمشق، حيث المطلوب هو سحب آخر الأوراق الفلسطينية التي يمكن أن تعكّر صفو الترتيبات القادمة للمنطقة. ومن هنا، فإن أي اتفاقٍ يتم فرضه في غزة سيصبح نموذجًا يُحتذى به في باقي الساحات الفلسطينية، وصولًا إلى نزع أي شكلٍ من أشكال القوة الذاتية للفلسطينيين، تمهيدًا لإدماجهم قسرًا في مشهدٍ إقليميٍّ يُراد له أن يكون خاليًا من أي مقاومةٍ حقيقية.
نتنياهو والمقامرة الكبرى: هل يكون نزع السلاح “نصره السياسي”؟
على الجانب الإسرائيلي، يدرك نتنياهو أن بقاء المقاومة الفلسطينية بسلاحها يمثل عائقًا أمام أي تصورٍ بعيد المدى للمنطقة. وفي ظل مأزقه السياسي الداخلي، حيث يواجه تآكلًا في شعبيته وتهديدًا لمستقبله السياسي، يسعى إلى تقديم “نزع سلاح حماس” كإنجازٍ غير مسبوق، يضعه في مصاف رؤساء الوزراء الإسرائيليين الذين استطاعوا فرض تحولات استراتيجية على الواقع الفلسطيني، بعد أن فشل في تحقيق نصرٍ عسكريٍّ حاسم.
ومن هنا، فإن إسرائيل لن تكتفي بمجرد “ضبط إيقاع” حماس عسكريًا، بل تسعى إلى إنهاء دورها كقوةٍ مسلحةٍ، عبر اتفاقٍ يتم فرضه تحت وطأة المجازر والضغط السياسي والدبلوماسي، بحيث يصبح نموذج غزة نموذجًا عامًا، يُعمَّم لاحقًا على باقي الفصائل الفلسطينية في المنطقة.
حماس بين قبول المستحيل ورفض الكارثة
أمام هذا المشهد المعقد، تقف حماس أمام معادلةٍ شديدة الصعوبة:
• القبول بتفكيك قوتها العسكرية، وهو ما يعني نهايتها كحركة مقاومة، وتحولها إلى كيانٍ سياسي هشٍّ بلا أي قدرة على الفعل الميداني، على غرار ما جرى للسلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو، حين تم تحويلها إلى “إدارة خدمات” تحت سقف الاحتلال.
• رفض الشروط وتحمل تبعات المواجهة المفتوحة، وهو خيارٌ ينطوي على مجازفةٍ كبرى، حيث ستواجه غزة تصعيدًا غير مسبوق، قد يصل إلى ضرباتٍ عسكرية مكثفة تهدف إلى تدمير كل ما تبقى من بنية المقاومة، بغطاءٍ أمريكيٍّ كامل.
السيناريوهات القادمة: إلى أين تتجه الأمور؟
1. تسوية مشروطة بتخفيض الترسانة العسكرية
قد تقبل حماس بوقف إطلاق النار وفق صيغةٍ تتضمن تقليص قدراتها العسكرية، كمرحلةٍ أولى تمهيدية نحو نزع السلاح الكامل. وسيتم تغليف هذا الاتفاق بوعودٍ بإعادة الإعمار، وإدخال المساعدات، لكن سيكون ثمن ذلك فقدان حماس لأهم عناصر قوتها تدريجيًا، حتى تصل إلى مرحلة العجز عن فرض أي معادلة ردع مستقبلاً.
2. استمرار الحرب واستنزاف المقاومة
في حال رفضت حماس الانصياع للشروط، فإن إسرائيل ستستمر في سياسة الضربات الموجعة، التي تستهدف تفكيك الهيكل القيادي للحركة، ودفع غزة إلى حالةٍ من الشلل التام، عبر استهداف البنية التحتية والكوادر العسكرية والسياسية معًا.
3. اللعب على الوقت والمناورة السياسية
قد تلجأ حماس إلى استراتيجية المناورة، عبر تقديم تنازلات شكلية دون التخلي الفعلي عن سلاحها، مع محاولة تحقيق مكاسب سياسية تتيح لها البقاء على الساحة، ريثما تتغير الظروف الإقليمية والدولية. لكن هذا الرهان محفوفٌ بالمخاطر، خاصةً أن المشروع الجاري في المنطقة يبدو أنه يسير بسرعةٍ أكبر من قدرة المقاومة على المناورة.
الخلاصة: غزة في قلب العاصفة الإقليمية
ما يجري اليوم في غزة ليس مجرد حربٍ عابرة، بل عملية إعادة تشكيلٍ كبرى، تهدف إلى تفكيك أي قوةٍ فلسطينية مسلحة، ضمن مشروعٍ إقليمي متكامل، يمتد إلى لبنان وسوريا، ويعيد رسم خارطة الشرق الأوسط بما يتناسب مع المصالح الإسرائيلية.
إسرائيل لا تريد فقط نزع سلاح حماس، بل تحويل المقاومة إلى ذكرى، وجعل الفلسطينيين كيانًا منزوع المخالب، بلا قدرةٍ على فرض أي معادلة توازن مستقبلاً.
والسؤال الذي سيحسم المشهد: هل تنجح إسرائيل في فرض هذا السيناريو بالقوة، أم تستطيع المقاومة قلب المعادلة رغم كل الضغوط؟
الأيام القادمة ستكشف الإجابة، لكنها بلا شك ستكون مفصليةً في تقرير مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
