الفلسطينيون ليسوا كهنود الحمر: أرضهم حقهم والتاريخ شاهد

تابعنا على:   14:38 2025-03-27

لؤي السقا

أمد/ يحاول البعض تشبيه القضية الفلسطينية بمأساة الهنود الحمر في أمريكا، في محاولة لتبرير الاحتلال الإسرائيلي وطمس حقوق الفلسطينيين. لكن هذا التشبيه يحمل مغالطات تاريخية وسياسية كبيرة، لأن الفلسطينيين ليسوا مجرد شعب تعرض للغزو، بل هم السكان الأصليون لهذه الأرض منذ آلاف السنين، ولم ولن يتم اقتلاعهم أو محو هويتهم كما حدث للهنود الحمر.

يعود وجود الفلسطينيين في هذه الأرض إلى أكثر من 4,000 عام، فهم امتداد لحضارات الكنعانيين واليبوسيين والفينيقيين الذين أسسوا مدنهم في فلسطين قبل آلاف السنين. ومنذ ذلك الوقت، لم تنقطع صلة الفلسطينيين بهذه الأرض، فقد ظلوا متجذرين فيها رغم الغزوات والاحتلالات المتكررة التي مرت بها المنطقة، بدءًا من الفراعنة والبابليين، مرورًا بالرومان والبيزنطيين، وصولًا إلى الاحتلال الصليبي والعثماني والبريطاني وأخيرًا الاحتلال الإسرائيلي.

على عكس الهنود الحمر، الذين تعرضوا لإبادة شبه كاملة على يد المستعمرين الأوروبيين في القارتين الأمريكيتين، لم يتمكن الاحتلال الإسرائيلي من محو الفلسطينيين من أرضهم، رغم كل محاولات الطرد والتهجير.

مع إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1948، بدأت أكبر عملية تهجير قسري في العصر الحديث، حيث أجبر أكثر من 750,000 فلسطيني على مغادرة منازلهم تحت تهديد المجازر والدمار. تم تدمير أكثر من 500 قرية فلسطينية بالكامل، وتم منع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم رغم القرارات الدولية التي تنص على ذلك. لكن رغم هذه النكبة، لم يختفِ الفلسطينيون، بل بقوا في أرضهم، وواصلوا نضالهم بشتى الوسائل.

على عكس الهنود الحمر، الذين أجبروا على العيش في محميات منعزلة بعد أن دُمّرت ثقافتهم ومجتمعاتهم بالكامل، لا يزال الفلسطينيون يقاومون الاحتلال، سواء من خلال النضال السياسي أو المقاومة الشعبية والمسلحة، أو حتى بمجرد البقاء على أرضهم، وهو في حد ذاته شكل من أشكال المقاومة.

على عكس الهنود الحمر، الذين كانوا معزولين داخل أراضيهم الشاسعة في القارتين الأمريكيتين، دون روابط إقليمية قوية أو دعم خارجي، فإن الفلسطينيين يتمتعون بامتداد جغرافي وبشري قوي في محيطهم العربي. فلسطين يحدها العرب من جميع الاتجاهات، مما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من المنطقة العربية، وشعبها متصل ارتباطًا وثيقًا بشعوب الدول المجاورة مثل الأردن، مصر، سوريا، ولبنان، حيث يعيش ملايين الفلسطينيين في الشتات ولهم امتدادات عائلية وتاريخية في هذه الدول.

هذا الواقع يجعل من المستحيل تنفيذ مشروع استئصال الفلسطينيين كما حدث للهنود الحمر، لأنهم ليسوا أقلية منعزلة أو ضعيفة، بل هم جزء من نسيج عربي واسع يمتد عبر المنطقة بأكملها، ويمتلك دعمًا سياسيًا وشعبيًا وديموغرافيًا في دول الجوار.

تعرض الهنود الحمر لإبادة جماعية ممنهجة، أدت إلى القضاء على معظمهم أو إجبارهم على العيش في محميات مغلقة، حيث تم انتزاع ثقافتهم وهويتهم بالكامل. أما الفلسطينيون، فبالرغم من المجازر والتهجير، لا يزالون يعيشون في وطنهم، ويمثلون اليوم أكثر من 14 مليون نسمة في الداخل والشتات.

رغم مرور أكثر من 75 عامًا على الاحتلال الإسرائيلي، لا تزال القضية الفلسطينية واحدة من أبرز القضايا الدولية، حيث تتمتع بدعم سياسي وشعبي في جميع أنحاء العالم، بينما أصبحت قضية الهنود الحمر جزءًا من التاريخ المنسي، ولا تحظى باهتمام سياسي كبير.

الفلسطينيون ليسوا معزولين عن محيطهم، بل لديهم امتداد طبيعي في الدول العربية المجاورة، حيث لا يزال لهم روابط عائلية وقبلية في الأردن، مصر، سوريا، ولبنان، مما يجعل من المستحيل اقتلاعهم بالكامل أو إنهاء وجودهم كما حدث مع الهنود الحمر.

الفلسطينيون ليسوا هنودًا حمراً، ولن يكونوا. هذه الأرض كانت لهم منذ آلاف السنين، وستبقى لهم. لم ولن يستطيع الاحتلال فرض واقع يشبه ما حدث في أمريكا، لأن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكًا بحقه في وطنه، ويقاوم بكل الطرق، سياسيًا وشعبيًا وعسكريًا، لإثبات وجوده.

التاريخ والجغرافيا والسياسة كلها تؤكد أن الفلسطينيين لن يختفوا كما حدث للهنود الحمر، لأنهم ليسوا مجرد شعب تم احتلاله، بل هم أصحاب أرض تاريخية لا يمكن محوهم منها، مهما طال الزمن.

اخر الأخبار