مؤتمر دولي في يونيو برعاية السعودية وفرنسا: عودة الى الماضي للتقدم نحو دولة فلسطينية مستقلة 

تابعنا على:   16:40 2025-04-08

سهير فريخ

أمد/ تم اعتبار القضية الفلسطينية من أكثر القضايا تعقيدًا في السياسة الدولية الحديثة، حيث لا يزال الشعب الفلسطيني ومنذ أكثر من سبعة عقودٍ من الزمان يناضل من اجل تكريس هويته ووجوده على ارضه ولكن لم يجد لغاية اليوم حل عادل وشامل، وما الحرب التدميرية في قطاع غزة وتهديدات الضم الاسرائيلي في الضفة الغربية ما هي الا استكمال شلال الدم والمعاناة الفلسطينية وجرحا لا يزال مفتوحا.
وعلى الرغم من المحاولات العديدة لتحقيق سلام عادل وشامل، إلا أن المسارات التقليدية للمفاوضات الثنائية بين ممثلي الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني قد تعثرت وفشلت في كل المرات التي كان من المتوقع لها أن تنجح. وفي ظل هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى نهج جديد يعكس إرادة الشعب الفلسطيني ويحظى بدعم دولي واسع لتحقيق سلام دائم وشامل وعادل. من هذا المنطلق، تنبثق فكرة سياسية لمقترح عملي لحل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من خلال المطالبة بتشكيل لجنة خاصة من دول أو حتى أفراد خبراء من قبل الأمم المتحدة من اجل وضع خطة وأفكار خلاقة تتعلق بحل القضية الفلسطينية على غرار لجنة UNSCOP التي شكلتها الامم المتحدة في العام 1947 بعد ان دعت  بريطانيا انذاك الامم المتحدة العمل من اجل حل النزاع بين اليهود والفلسطينيين والتي تمخض عنها قرار مجلس الأمن رقم 181 القاضي بتقسيم فلسطين الى دولتين يهودية وعربية.
اما في وقتنا الحالي فإن هذه اللجنة، التي سنسميها UNSCOP2، سيتم تشكيلها بناءً على طلب من منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
لجنة UNSCOP-2  ستعمل منذ اليوم الاول بوضع خطة شاملة لإنهاء الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي خلال فترة زمنية محددة، حيث ستقوم البعثة الدولية بجمع الشهادات من مختلف شرائح المجتمع الفلسطيني والإسرائيلي، والاستماع إلى آراء الخبراء والمتخصصين في مجال الصراعات الدولية، وذلك لضمان أن تكون الخطة المقترحة عادلة وتلبي تطلعات جميع الأطراف المعنية، على أن يتم عرض هذه الخطة على الأمم المتحدة للنظر فيها واعتمادها.
 
 
 
 
 
يعتمد هذا المقترح السياسي في جزء كبير منه على الأفكار التي تم طرحها في مقال مشترك نُشر في ايار من العام 2012 في صحيفة نيويورك تامز  بعنوان "التوجه الى الشعبين الفلسطيني والاسرائيلي مباشرة"، والذي شارك في تأليفه كل من جيروم سيغال، خافيير سولانا، توماس شيلينع وشلومو بن عامي. المقال نادى بأهمية أن يقوم الفلسطينيون بالمبادرة للقيام باقتراح حلول لقضيتهم بأنفسهم، مع التأكيد على دور المجتمع الدولي في دعم هذه الجهود.
الفكرة الأساسية تتمحور حول الحلول المستدامة والتي يجب أن تأتي من الداخل ومن الشعوب مباشرة، مع تعزيز دور الأمم المتحدة والمجتمع الدولي في توفير الإطار اللازم لتحقيق ذلك. هذه الرؤية تتماشى بشكل كبير مع مبادرة UNSCOP-2، حيث يتم التركيز على الإرادة الشعبية والدور الدولي في ضمان تنفيذ أي خطة سلام.
تكمن أهمية هذه المبادرة لحل الصراع والتي يقودها بالوقت الحاضر البروفيسور والفيلسوف جيروم سيغال الذي قام بتأسيس مؤسسة تعنى بحل النزاعات وبالآخص القضية الفلسطينية في اربعة نقاط اساسية وهي كالتالي:
اولا- نهج جديد قائم على الإرادة الشعبية
تكمن إحدى أبرز مزايا مبادرة   UNSCOP-2  في تركيزها على الإرادة الشعبية كأساس لأي حل مستقبلي. على عكس المحاولات السابقة التي ارتكزت على المفاوضات السياسية بين القيادات الرسمية فقط، تهدف هذه المبادرة إلى إجراء استفتاءات شعبية عامة للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، أي انها تستهدف الشعب الفلسطيني (بما في ذلك اللاجئين في الشتات) ليمارس حقه في تقرير مصيره حول أي خطة يتم تقديمها. هذا النهج يمنح الخطة الدولية شرعية شعبية ويزيد من فرص نجاحها، حيث أن القرار النهائي سيكون بيد الشعوب المعنية مباشرة وليس فقط بيد النخب السياسية.
ثانيا- إطار قانوني ودولي مستند إلى قرارات الأمم المتحدة
تعتمد مبادرة UNSCOP-2 على إطار قانوني ودولي قوي، حيث تستند إلى قرارات دولية مثل مبادرة السلام العربية لعام 2002 والتي بادرت اليها المملكة العربية السعودية في ذلك الوقت بالاضافة الى قراري مجلس الأمن 242 والجمعية العامة 194. هذه القرارات تشكل أساسًا متينًا لأي عملية سلام، حيث تعترف بحقوق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وحق إسرائيل في العيش بأمان. من خلال الاستناد إلى هذه القرارات، تكتسب المبادرة قوة دبلوماسية وتصبح مقبولة دوليًا، مما يسهل عملية تنفيذها.
ثالثا- تجاوز العقبات التفاوضية التقليدية
على مدار العقود الماضية، لم تؤتي المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والاسرائيلي اية نتائج حقيقية  لتحقيق تسوية بسبب الخلافات الجوهرية حول قضايا مثل الحدود، واللاجئين، والقدس، والأمن، وتقدم مبادرةUNSCOP-2   مقاربة مختلفة، حيث انها لا تركز فقط على جسر الفجوات بين مواقف القيادات السياسية، بل تسعى إلى ضمان توافق شعبي واسع. هذا النهج يقلل من احتمالية عرقلة العملية من قبل الأطراف المتشددة، حيث أن القرار النهائي سيكون بيد الشعوب وليس فقط بيد النخب السياسية.
رابعا- دور الأمم المتحدة في ضمان التطبيق
من خلال إشراف الأمم المتحدة على الاستفتاءات الفلسطينية والإسرائيلية، وضمان مشاركة اللاجئين الفلسطينيين، يتم تأمين عملية سياسية شفافة وعادلة تعكس إرادة الشعوب. هذا الدور الدولي يحد من احتمالات عرقلة التنفيذ من قبل الجهات السياسية المختلفة، ويضمن أن تكون العملية خاضعة للمراقبة الدولية، مما يعزز مصداقيتها وفرص نجاحها.
 
المقترح كأحد مخرجات مؤتمر السلام الدولي 2025
وفي اعلان مجلس الوزراء السعودي برئاسة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان على استمرار جهود المملكة لإعلان قيام الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، وفي بيان بعد اجتماعه الأسبوعي، دعا دول العالم إلى المشاركة في المؤتمر الدولي لإيجاد تسوية وحل القضية الفلسطينية بالوسائل السلمية وتنفيذ حل الدولتين، والمقرر عقده في حزيران من هذا العام بمدينة نيويورك الأميركية، برئاسة مشتركة بين المملكة وفرنسا. وكانت الرياض وباريس قد أصدرتا بياناً مشتركاً خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى المملكة تضمن اتفاق البلدين على عقد مؤتمر رفيع المستوى لدعم سبل إقامة الدولة الفلسطينية وفقاً للمرجعيات الأممية والدولية برئاسة مشتركة من الجانبين. وهنا تبرز مبادرة UNSCOP-2  كأحد المقترحات القابلة للتنفيذ والتي تتماهي مع المواقف الدولية والعربية و التي يمكن أن تشكل محورًا أساسيًا للنقاش وبوابة لبداية الحل السياسي . يوفر المؤتمر فرصة تاريخية لجمع الأطراف الدولية والإقليمية لمناقشة خارطة طريق واقعية لإنهاء الصراع، ودفع المجتمع الدولي نحو تحمل مسؤولياته في دعم عملية سلام عادلة ومستدامة. من خلال طرح مبادرة   2UNSCOP-  في هذا المؤتمر، يمكن للدول المشاركة أن تتبنى نهجًا جديدًا يعكس إرادة الشعوب ويضمن مشاركة واسعة من جميع الأطراف المعنية. إن إعادة إحياء دور الأمم المتحدة من خلال مبادرة  UNSCOP-2 يمكن أن يكون مفتاحًا لإنهاء إحدى أطول الصراعات في التاريخ الحديث. فبدلاً من إبقاء مصير السلام رهينة توازنات القوى السياسية الضيقة، فهي تمنح بشكل مباشر صوتا للشعوب لممارسة حق تقرير المصير من خلال عملية الاستفتاء، مما يعزز فرص تحقيق حل عادل ودائم. من هنا، فإن دعم هذا الطرح في مؤتمر السلام القادم يشكل خطوة هامة نحو مستقبل أكثر استقرارًا لشعوب المنطقة. إن الوقت قد حان لكي يتحمل المجتمع الدولي مسؤولياته ويدعم جهودًا جادة لتحقيق سلام عادل وشامل ودائم، يعكس تطلعات الشعوب ويضمن مستقبلًا آمنًا للأجيال القادمة.

اخر الأخبار