الوحدة الوطنية: السلاح الأعظم لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر
نجاح محمد علي
أمد/ على رغم التصريحات الاستفزازية التي تروج لما يُسمى “تطهير غزة” واستكمال المشروع الاستيطاني الصهيوني، تبرز الوحدة الوطنية الفلسطينية كدرع صلب لا ينكسر، وحصن منيع أمام محاولات طمس الهوية الفلسطينية. إذ لم تعد المعركة من جل تحرير فلسطين مجرد صراع على الأرض، بل أصبحت اختبارًا مصيريًا لإرادة شعب يرفض الاستسلام ويعيد رسم خارطة نضاله من خلال تلاحم فصائله ومقاومته في مشهد لم تعرف له فلسطين مثيلًا منذ عقود. و بعد عملية طوفان الأقصى، ومهما قيل عن تداعياتها، لم تعد الوحدة مجرد خيار سياسي، بل تحوّلت إلى ضرورة وجودية ومفتاح عملي نحو التحرير.
هذا التلاحم الشعبي والمقاوم الذي فاجأ الاحتلال وأربك حساباته، جسّد أسمى معاني الانتماء والبطولة، وربط غزة بجنين، والقدس بلبنان، والضفة ببغداد، و يافا بصنعاء، في مشهد يشير بوضوح إلى ولادة محور متماسك للمقاومة، بات يمتلك زمام المبادرة. هنا يتجلى دور محور المقاومة الذي، عبر سنوات من المواجهة، أسس توازن ردع حقيقي أعاد تعريف قواعد الاشتباك في المنطقة.
المشروع الصهيوني بين الوهم والانهيار الداخلي
و منذ بدايته، تأسس المشروع الصهيوني على كذبة كبرى: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”. لكن هذه الرواية الخرافية بدأت تتآكل تحت وطأة الوقائع الديموغرافية والسياسية والميدانية. فأزمة الشرعية الداخلية التي تعيشها ماتسمى “إسرائيل” تتجلى في انقسامات سياسية واجتماعية عميقة. خمس انتخابات خلال ثلاث سنوات، وتظاهرات تعم شوارع يافا التي يٌراد تحويلها إلى "تل أبيب" ضد الحكومة، واحتجاجات اليهود الإثيوبيين على العنصرية، وأزمة ثقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة وعموم المستوى السياسي، واستقالات وتمرد وصل إلى الوحدة الاستخباراتية 8200 ، كلّها دلائل على أن هذا الكيان يعيش مرحلة اهتزاز داخلي غير مسبوق.
الضربات الموجعة التي تلقتها حكومة “الإحتلال” خلال عدوانها المتكرر على غزة، والمفاجآت العسكرية في عملية طوفان الأقصى، والانكشاف الأمني في الضفة والقدس، أظهرت أن “الجيش الذي لا يُقهر” بات أسطورة من الماضي. و اليأس يتسلل إلى الجيل الجديد.
وفقًا لاستطلاع نُشر في صحيفة ‘هآرتس’، 48% من الشباب بين 18 و30 عامًا يفكرون جديًا بالهجرة.
وارتفعت طلبات الهجرة إلى كندا، أستراليا، وألمانيا بنسبة 37% خلال الشهور الثلاثة الأخيرة فقط.”
“حتى وزير الهجرة الأسبق، بنحاس غولدشتاين، وصف الوضع بأنه ‘نقطة اللاعودة’، وقال إن الكيان يشهد موجة الهجرة المعاكسة الأكبر منذ الانتفاضة الثانية.”
كما أن العزلة الدبلوماسية التي يعانيها الكيان تتعمّق يومًا بعد يوم، في ظل الاعتراف الدولي المتزايد بدولة فلسطين وتصاعد حملات المقاطعة (BDS)، التي تمكّنت من إلحاق أضرار اقتصادية ومعنوية بقطاعات استراتيجية إسرائيلية.
من التشرذم إلى استراتيجية التحرير
التحرر من الاحتلال لا يتحقق بالعواطف فقط، بل بحاجة إلى رؤية وطنية موحدة، تستند إلى مصالحة شاملة بين القوى الفلسطينية، وتضع حدًا لانقسام أضعف الداخل الفلسطيني لسنوات. لقد آن الأوان لتفعيل مؤسسات منظمة التحرير، وتوحيد الخطاب السياسي، والانطلاق في مشروع تحريري واضح من النهر إلى البحر.
المقاومة الشعبية أثبتت نجاعتها، كما حدث في مسيرات العودة السابقة ،وتزايد الدعوات لإحياء يوم الأرض والمشاركة الأوسع في مسيرة العودة بذكرى النكبة ، فقد أظهرت تلك المسيرات أن الجماهير قادرة على خلق زخم عالمي لا يستطيع “الإحتلال” تجاهله. وفي الوقت ذاته، فإن الدور المتعاظم لمحور المقاومة رغم كل الضربات التي تلقاها ، الذي يجمع بين خبرات حزب الله، و مساندة أنصار الله ، وإمكانيات إيران، و قبل ذلك بطولة الفصائل في غزة، شكّل مظلة ردع حقيقية، وجعل خيار الحرب مكلفًا للاحتلال.
حملات المقاطعة الدولية، التي امتدت إلى مؤسسات أكاديمية واقتصادية كبرى، أسهمت في تعرية صورة الاحتلال، خاصة بعد تقارير المنظمات الدولية التي وصفت ممارسات الاحتلال بالفصل العنصري. هذه الحملات لا تقلّ أهمية عن الكفاح الميداني، بل تُكمله وتُعززه.
مشروع التحرير: من المقاومة إلى الدولة
تحرير فلسطين من النهر إلى البحر لم يعد حلمًا بعيدًا، بل صار مشروعًا واقعيًا تتجسد ملامحه يومًا بعد يوم. من خلال استثمار التصدعات في الداخل الصهيوني غير المتماسك، وتوظيف الدعم الشعبي العالمي، وبناء شراكات إقليمية راسخة مع محور المقاومة، يصبح التحرير أقرب من أي وقت مضى.
لم يعد بالإمكان تجاهل التحولات التي فرضتها عملية طوفان الأقصى، حيث ارتبكت غرف العمليات في كيان الاحتلال ، وتصاعدت أصوات في الداخل تُطالب بإعادة النظر في كل المشروع الصهيوني من أساسه.و التأريخ يعيد نفسه… ولكن هذه المرة بسرعة أكبر. فالكيان الذي زرع الفوضى في منطقتنا، أصبح اليوم هو ذاته ينهار من الداخل.
الوحدة طريق النصر
نعم، الوحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل هي جوهر البقاء والمقاومة. أمام انهيار سردية “إسرائيل” وضعفها البنيوي، يصبح التلاحم الفلسطيني، المدعوم بمحور المقاومة، سلاحًا إستراتيجيًا يفوق الأسلحة التقليدية. لا يمكن أن تُحرر فلسطين إلا بقبضةٍ وطنيةٍ واحدة، تمسك بزمام القرار، وتكتب التأريخ من جديد.
فلسطين لا تنتظر إذنًا من أحد، بل تنتظر وحدة أبنائها، وتكامل مقاومتها، وصوتًا واحدًا يقول: نحن شعبٌ واحد، لنا أرضٌ واحدة، وقضيةٌ واحدة.. ووحدتنا طريقنا الوحيد إلى الحرية.
