حين تخذلنا السياسة، تبقى الكلمة الحرة آخر خطوط الدفاع
محمد ناجي الهميس
أمد/ عندما تتوارى المواقف الحقيقية خلف التصريحات الباردة، وتتحول السياسة إلى لعبة مصالح باردة لا روح فيها، نشعر جميعًا بالخذلان. خذلانٌ ليس فقط من الأنظمة، بل من منظومة كان يُفترض بها أن تحمي الإنسان، وتدافع عن قيمه، وتنتصر لكرامته.
في خضم هذا الخذلان، وفي زمن التلون والمواقف الرمادية، تبقى الكلمة الحرة سلاحًا لا يُقهر، وخط الدفاع الأخير في وجه الكذب والتزييف والتطبيع والانبطاح. الكلمة التي تخرج من قلب حي، لا يخاف في الله لومة لائم، تصرخ بالحق حين يصمت الجميع، وتكشف الزيف حين يتقن الآخرون لبس الأقنعة.
لقد تخلت السياسة – في كثير من الأحيان – عن مبادئها، وركنت إلى مقاعد المساومة، حتى أصبحت دماء الأبرياء مجرد أرقام في نشرات الأخبار. لكن الكلمة الحرة لم تتخلَ. ظلّت تكتب، وتغضب، وتواجه، وتُحرّك الضمائر، وتنعش الروح الميتة في جسد هذه الأمة.
في فلسطين، وفي غزة، وفي كل أرضٍ تُنتهك فيها الكرامة، خُذلت الشعوب بسياسات صامتة، أو متواطئة، لكن بقيت الكلمات الصادقة تفضح، وتوقظ، وتحفظ المعنى.
فحين تخذلنا السياسة، لا تستهين بالكلمة.
هي ليست حبرًا على ورق، بل نارًا على الظالم، ونورًا للمظلوم، وصوتًا للحق في زمنٍ تتشابك فيه الألسنة وتضيع الحقيقة.
الكلمة الحرة لا تموت، حتى وإن سُجِن أصحابها، أو طوردت حناجرهم، فصوت الحق لا يحتاج إذنًا ليعلو، بل يحتاج فقط قلبًا لا يعرف الخوف، وقلمًا لا يعرف البيع.
ابقَ على خط الدفاع هذا، لا تتراجع… فرب كلمة كانت أثقل من رصاصة، وأبقى من قرار سياسي زائل.
