من يصدّق أن بين إيران وأمريكا عداء؟
محمد عبدالله المارم القميشي
أمد/ يوماً بعد يوم، تتضح الصورة أكثر، ويبدو المشهد كاملاً بلا مؤثرات بصرية، لتكشف الحقيقة بلا حجاب: أن ما يُسمى "العداء الإيراني-الأمريكي" ما هو إلا رقصة متفق عليها بين شريكين يعرف كل منهما خطى الآخر. ما نراه اليوم ليس إلا إعادة إنتاج لمسرحيات قديمة، بدأ عرضها منذ مسرحية الرهائن عام 1979، ولا يزال العرض مستمرًا بتسلسل حلقات: الثورة الخمينية، العقوبات، التصريحات النارية، وكلها من إخراج واحد وتمويل مشترك.
لعقود طويلة، صدّعنا النظام الإيراني بشعارات الموت لأمريكا ونصرة فلسطين بينما كانت جحافله تمزق أوصال العراق، وتحرق الشام، وتغرز أنيابها في خاصرة اليمن، وتخنق لبنان بأنشوطة الطائفية. وفي كل بلد عربي دخلته ذراع إيران، خرجت منه الدولة، وغابت السيادة، وحلّ الخراب، وازدهر سوق القبور والمليشيات.
الحقيقة التي لم تعد خافية هي أن إيران الشر، ومنظومتها الوظيفية من حزب الله إلى الحوثي والحشد الشعبي، ليست سوى أدوات استثمار سياسي وابتزاز تفاوضي، يُستخدمون عند اللزوم كأوراق ضغط على الطاولة الأمريكية، ثم يُعاد تلميعهم كلما دعت الحاجة لمسرحية جديدة.
وما خفي أعظم. ففي لقاء تلفزيوني، كشف دبلوماسي إيراني سابق عن عرض قدّمته طهران لإدارة ترامب يتجاوز أربعة تريليونات دولار، ليس لإعمار سوريا أو وقف الحرب في اليمن، بل لاسترضاء الشركات الأمريكية وضمان أمن إيران القومي، بلا شروط، بلا مقابل، وبلا أي حياء سياسي.
اللاعبون على الأرض بدأوا يتساقطون: حزب الله يُلفظ أنفاسه في بيروت، محاصر شعبياً، مرفوض رسمياً، ومكشوف حتى لأقرب حلفائه. المليشيات الإيرانية في سوريا ذابت كجليد في صيف إقليمي حارق، والنظام النصيري الذي طالما تزيّا بالقوة لم يعد أكثر من بقايا طاغية تحميه قوى أجنبية. أما الحوثي، فموعد سقوطه مسألة وقت، لا أكثر، فالمليشيا التي تتكئ على خرافة دينية ومال فارسي، لا يمكن أن تصمد في بيئة قبلية ترفضها وتضيق بها.
لكن، مهلاً... لا يعني هذا نهاية الدور. فصنّاع اللعبة لم يُغلقوا الستار بعد. ما زال هناك مشاهد جديدة سيؤديها هذا المحور "الوظيفي" لابتزاز العرب، خاصة الخليج، وتذكيرهم بأن الشيطان الفارسي ما زال يتنفس. وسيبقى هذا المسلسل مستمراً حتى تتضارب مصالح المخرجين، وعندها فقط سيتحول الحليف إلى عدو، والمؤقت إلى دائم.
في عالم تحكمه التكتلات المتقلبة، والمصالح العارية من المبادئ، لا شيء مستحيل. تقارب أمريكي روسي؟ ممكن. شراكة أوروبية صينية؟ محتملة. انقلاب الأدوار بين العدو والحليف؟ وارد. فما كان خيالًا سياسيًا بالأمس، قد يصبح واقعًا بين عشية وضحاها...
أما نحن، فمجرد جمهور في مسرحية مستمرة، لا نملك سوى المتابعة بدهشة..
