سرقتنا الحرب

تابعنا على:   12:20 2025-05-07

حنان شبات

أمد/ لم تكن الحرب في غزة مجرد دمار للبيوت أو خسارة في الأرواح، بل امتدت يدها الخشنة لتسرق منا ما هو أعمق من الجدران وما هو أثمن من الممتلكات. لقد سرقت أصوات خطوات أقدام أطفالنا في الطرقات، تلك الخطوات التي كانت تضج بالحياة، باللعب، بالضحك، وبصوت "خبطتهم" الطفولية على الأرض. لم نعد نسمع صراخهم وهم يتسابقون، ولا ضحكاتهم وهم يتعثرون ثم ينهضون.

غابت أصوات البائعين المتجولين. لم يعد أحد يصرخ "بندورة.. عروسة يا بندورة" أو "بطيخ.. بقلاوة يا بطيخ"، ولم نعد نسمع صوت موزع الغاز وهو يطرق بأنبوبته على الحديد ليُعلمنا أنه مرّ من هنا. أين ذهب كل ذلك الضجيج العذب؟ تلك الضوضاء التي كانت تشكل ملامح صباحنا، تحولت إلى صمت ثقيل، يُرهق الأرواح.

حتى رائحة الصباح، تلك التي كانت تتسلل من بين أزقة غزة حاملة عبق الياسمين وندى الفجر وليلة القدر، لم تعد تزورنا. تاهت وسط رائحة البارود والركام، وخنقها دخان الحرب.

سرقتنا الحرب بصمت. سرقت خطوات كبار السن في عودتهم من صلاة الفجر، همسات تسابيحهم، دعواتهم المبللة بإيمان لا يتزحزح، ومشيهم الواثق على الأرصفة التي لم تعد موجودة.

سرقتنا الحرب حين سرقت طرقاتنا. حين اقتلعت الحواري من جذورها، وحين محَت من الذاكرة الشوارع التي حفظنا ملامحها بالحواس لا بالخرائط. فقدنا الطريق إلى البحر، ذاك الذي كنا نركض نحوه لنهرب من كل شيء، نرتمي عند موجه ونبوح له بكل ما لا نقدر على قوله.

حتى صوت فيروز لم يسلم. غاب صوتها عن صباحاتنا. لم تعد فناجين القهوة تجد من يحتسيها بهدوء أمام نافذة تطل على حياة. كل شيء تغير. صمت الحرب أخذ مكان الموسيقى، والرماد حلّ مكان الألوان.

لكن كل ذلك لم يكن محض صدفة أو نتيجة جانبية. الاحتلال أراد، عبر تدمير المباني وهدم البيوت، أن يسرق ذاكرتنا. أراد أن يمحو صورنا المعلقة على الجدران، أن يطمس ملامح حاراتنا، أن يقتلع جذور الحكايات من دواخلنا. لم يكن القصف عشوائيًا فقط، بل كان استهدافًا لوعينا، لهويتنا، لذاكرتنا الجماعية. هو هدم للمكان بقصد قتل الزمان: حاضرنا ومستقبلنا معًا.

ورغم كل ذلك، لا محالة، ستعود تلك الأيام. ستعود الأصوات، والضحكات، والبائعون، والمصلون، والياسمين، والشوارع، والبحر، وصوت فيروز... ستعود الحياة، طالما بقي هناك نَفَس غزّاوي ينبض، وطائر يحلق في سماء غزة.

كلمات دلالية

اخر الأخبار