إبراهيم باشا وبلاد الشام
نبيل معروف
أمد/ كان محمد علي باشا والي مصر، يطمح الى ضم بلاد الشام الى ولايته، وكان دافعه الى ذلك بعدين سياسي واقتصادي،
العامل السياسي: انشاء دولة عربية او قيام سلطنة إسلامية قوية تضم الأراضي المصرية بما فيها السودان وبلاد الشام، وفي حال تمكن من ضم بلاد الشام فان ذلك سيمكنه من
اعتبار بلاد الشام جبهة امامية تصد عن مصر الضربات العثمانية مستقبلا، كما ان بسط نفوذه على هذه البلاد سيمكنه من تجنيد جيش من سكانها فيزداد بذلك عدد افراد جيشه. ويذكر ان ابنه إبراهيم باشا وابتداء من العام ١٨٢٩ وضع ضم بلاد الشام في سياسته الاستراتيجية،
وأكد بانه سيدافع عن حقوق الشعوب العربية التي تعيش تحت الحكم العثماني حياة التابع البائس المستضعف.
اما العامل الاقتصادي فانه أراد استغلال موارد بلاد الشام من الخشب والفحم الحجري والنحاس والحديد التي كانت تفتقر اليها مصر، فضلا عن أهميتها الاقتصادية بسبب موقعها الجغرافي واتصالها بالأناضول، وعلاقاتها التجارية بأواسط اسيا حيث تمر قوافل التجارة، وبسبب موقعها على طريق الحج الى البيت الحرام.
وكان محمد على باشا يأمل بان يضمها بموافقة السلطان، وعلى الرغم من ان السلطان وعده بذلك اثناء الحرب الوهابية، الا انه اخلف بوعده بعد انتهاء الحرب لأنه شعر ان وجود محمد علي في بلاد الشام خطر على كيان السلطنة نفسها. ولكن محمد على لم يتخل عن طموحه هذا فبدأ بتنفيذ خطته معتمدا على علاقاته بأقوى شخصين في المنطقة وهما عبد الله باشا والي عكا، وبشير الثاني الشهابي امير لبنان.
اخذت اهداف محمد على تتبلور بدءا من العام ١٨٢٥ عندما صارح الفريق اول الفرنسي بوابييه بانه سوف يعمد، بعد ان ينتهي من حرب الموره، الي وضع يده على بلاد الشام بما فيها ولاية عكا، ولن يقف بجيشه الا على ضفاف دجلة والفرات، وفي بلاد اليمن والجزء الأوسط من الجزيرة العربية،
ورأى أحد القناصل البريطانيين ويدعى باركر في عام ١٨٣٢ ان جيش محمد علي منهمك في مشروع تحرير الشعوب العربية وجمعها في امبراطورية عربية. وان هدفه المباشر هو توطيد سلطته في بشالق عكا ودمشق، ثم التوسع بعد ذلك نحو حلب وبغداد عبر كل الولايات العربية.
وبالفعل فقد تمكن إبراهيم باشا من احتلال بلاد الشام في العام ١٩٣٨
وهكذا أيضا شعر قادة أوروبا بخطورة ما يفكر به ممد على بضم بلاد الشام الى دولته المصرية
في العام ١٩٣٣ اكتملت سيطرة إبراهيم باشا على بلاد الشام إضافة الى مناطق في تركيا وأصبح محمد علي باشا الوالي الرسمي للمنطقة بمرسوم سلطاني عثماني، وهنا بدأت المخاوف الأوروبية من الأهداف التي أعلنها محمد علي وابنه إبراهيم باشا حول إقامة دولة او سلطنة عربية قوية تجمع عرب مصر مع إخوانهم في بلاد الشام، وخشي الأوروبيون من ان محمد علي في الحقيقة هو حاكم قوي يعرف كيف يدير الحياة السياسية والاقتصادية للبلاد، وقد يكون قادرا على انهاء السلطنة العثمانية، وهو ما لا تريده أوروبا التي تفضل وجود الرجل العثماني المريض، الامر الذي يساعدها على التحكم بسياسة واقتصاد الشرق الأوسط.
لذلك شعرت أوروبا بخطورة بقاء محمد علي في بلاد الشام فشنت عليه حربا انتهت باتفاقية لندن في ٥ تموز ١٨٤٠، التي كانت موجهة في الأساس ضد توحيد مصر مع بلاد الشام، ولمنع الشعوب العربية في المنطقة من الحصول على حريتها، واستغلال الثروات الطبيعية للمنطقة، والسيطرة على اقتصادها، وتهيئتها لإنشاء دولة لليهود في فلسطين كدولة عازلة او حاجزة.
كانت تلك أولى الخطوات للاستعمار الغربي لبلادنا، الذي كانت بدايته هيمنة القناصل والتجار الأوروبيين على الشرق العربي مباشرة بعد اتفاقية لندن، ثم الاحتلال الفعلي للمنطقة عام ١٩١٧، وإخضاع المنطقة رسميا للانتدابين الفرنسي والبريطاني، وتكليف بريطانيا رسميا بتنفيذ ما تضمن عليه وعد بلفور بخصوص إقامة دولة لليهود في فلسطين. ومنذ ذلك التاريخ، يوم تم طرد الجيش المصري من بلاد الشام، والهيمنة الغربية على المنطقة مستمرة، ولم تنته حتى اليوم. فهل العودة الثانية لإبراهيم باشا اليوم الى بلاد الشام سيكون مؤشرا لإنهاء حالة الاستعمار، وإعادة الربط بين بلاد الشام ومصر، وتحقيق ما نادى به إبراهيم باشا بإقامة دولة عربية واحدة متماسكة. هو حلم وقد يبدو للبعض انه يتناقض مع الواقع وميزان القوي الإقليمية والدولية.
ولكن تداعيات الحرب الأطول التي خاضتها إسرائيل منذ انشائها، والتي تميزت بانها إبادة جماعية لوحشيها وقساوتها، منتهكة كل القوانين والاتفاقيات الدولية، والتي انعكست على سمعتها ومصداقيتها امام بقية دول العالم، واثرت على وحدة جبهتها الداخلية، وزعزعت الروح القتالية عند افراد جيشها، الذي انهكته الحرب، والتي أصبح العديد من جنرالات إسرائيل وسياسييها يعتبرونها عبثية. ناهيك عن الحجم غير المسبوق من الخسائر في العديد والمعدات، وفوق ذلك كله خسائرها الاقتصادية. وكذلك الملاحقات القانونية التي سيتعرض لها مرتكبو جرائم الإبادة في غزة سواء كانوا جنودا او قادة عسكريين وسياسيين، والاهم من ذلك والأخطر على علاقات إسرائيل الدولية، هو الأجيال الجديدة في مختلف انحاء العالم وخاصة في بلاد الغرب، والذين أصبحوا أكثر اقتناعا بالرواية الفلسطينية وتظاهروا من اجلها.
مصر، هي القوة الإقليمية بشعبها وجيشها وتاريخها وحجمها، ومنذ تم فصل التواصل بينها وبين عرب بلاد الشام، والمنطقة باسرها بما فيها مصر نفسها، تئن تحت الضربات الموجعة للغرب، ويبدو ان خلاص المنطقة باسرها مرهون بقدرة مصر على ممارسة دورها الطبيعي كقوة إقليمية، فتعزز قوتها بتواصلها بمنطقة بلاد الشام وأهلها، وتضع حدا لتدخل القوى الإقليمية الأخرى والقوى الدولية، وتجلس على طاولة الكبار اقطاب النظام العالمي الجديد.
