عندما يبكي الرجال
مهند نصار
أمد/ في غزة، لم تعد الدموع حكرًا على الأمهات الثكالى، بل صارت وجوه الرجال ساحةً مفتوحةً لانكسارات القهر والجوع. في هذا الركن المحاصر من العالم، يبكي الرجال لأنهم أصبحوا عاجزين عن حماية أسرهم من الموت البطيء، لا بصواريخ الاحتلال فحسب، بل بسلاح التجويع المزدوج: من جهة الحصار ومن جهة السماسرة والمرابين وتجار الأزمات.
في زمن المجاعة، حين يصبح الخبز حلمًا، والدقيق رفاهية، لا يبكي الرجال إلا لأنهم طُعنوا من الظهر. طعنتهم يد العدو الخارجي بالصواريخ، وطعنتهم يد الداخل بالصمت والتقاعس والاحتكار.
فمن سرق جيوب الغزيين في عز الحرب؟
من حوّل قوافل المعونات إلى فرصة لجمع المال الحرام؟
من ترك السوق بلا رقابة، والأسعار تنهش أجساد الفقراء؟
من سمح لتجّار الأزمات بالاستفراد بالشعب الجائع، تحت مظلة صمت السلطة؟
سياسة التجويع لم تعد فقط حكاية إسرائيلية. بل هناك من يستثمر في الموت اليومي، من يعتاش على أنقاض الكرامة، من يقتات من جيوب العاجزين وهم يشترون "كيس دقيق" بأضعاف ثمنه، ويقايضون حياة أطفالهم بلتر زيت أو باكو شاي.
ورغم ذلك، لا نسمع منابر المساجد تصرخ في وجوه الفاسدين، لا نرى خطبًا نارية تفضح المحتكرين، لا نسمع عن حملة أمنية تلاحق الجشعين واللصوص، ولا بيانات من "سلطة الأمر الواقع" تضع حدًا لسياسة السوق السوداء التي تُكمّل مشهد الموت الذي ترسمه طائرات الاحتلال.
إن الصمت في مثل هذه الظروف ليس حيادًا، بل تواطؤًا. فكل مسؤول سكت عن هذا الانهيار هو شريك في تجويع الناس. وكل مؤسسة لم تتحرك ضد الاحتكار هي جزء من الجريمة.
بل كيف يمكن لمجتمع ينادي بالتحرير، أن يعجز عن تحرير رغيف الخبز من أيدي الجشعين؟
يا من تبكون قهرًا وجوعًا، دموعكم أصدق من كل الخطب والشعارات. لقد كشفتم بدموعكم جُبن الصامتين، وسرقة المتربحين، وبؤس المشهد السياسي الذي غابت عنه الكرامة وأبسط معايير المسؤولية.
يا من تبكون في غزة، أنتم لستم ضعفاء، بل شهود على زمن سقطت فيه كل الأقنعة. دموعكم تفضح المتواطئين من داخل السور وخارجه، وتكتب الحقيقة بملح الوجع.
إن الجوع في غزة ليس قدرًا.. بل نتيجة لسياسة تتقاطع فيها الحروب، مع الجشع، مع الصمت المريب.
