الحصار الحقيقي لغزة… من يغلق الأبواب ومن يُطبق السماء؟
سامي أبراهيم فودة
أمد/ منذ أكثر من 18 عامًا وقطاع غزة يعيش في زنزانةٍ اسمها "الحصار"، جدرانها صهيونية، ومفتاحها بيد الاحتلال، بينما يقف بعض العرب خلف الأبواب، لا يفتحون ولا يكسرون، لكنهم ليسوا من بنى الجدران.
إن تحميل مصر وحدها مسؤولية حصار غزة ليس فقط تزويرًا للحقائق، بل خيانة لدماء الشهداء ولعقول الشعوب. من يغلق الأجواء؟ من يمنع حتى طائرة إسعاف من الهبوط؟ من يُغرق البحر بزوارقه ويطلق النار على كل قارب يغادر شمالاً أو جنوبًا؟
الجواب واضح كالشمس التي غابت عن غزة طويلاً: الاحتلال الإسرائيلي وحده هو الحصار، وهو الموت، وهو السبب في كل هذا الجوع والدمار.
لكن هناك من يريد تزوير الصورة، ومن يريد تجميل وجه العدو، والتغطية على فشل قراراته، فيُلقي باللوم على مصر، أو الأردن، أو أي دولة لا تُصفق له.
إن مصر دولة عربية شقيقة، وإن قصّرت أو تلكأت أو أغلقت معبرًا، فذلك موقف سياسي يجوز انتقاده، ولكن لا يجوز أبدًا مساواته بعدو يحتل الأرض، ويقصف المنازل، ويمنع الدواء، ويمارس إبادة جماعية بحق شعبنا.
من العار أن نرى من يعيش في كنف العدو، في أراضي الداخل المحتل، وهو يهتف أمام سفارة مصر في تل أبيب، مطالبًا برفع الحصار عن غزة، بينما لا يجرؤ على رفع لافتة واحدة تقول: "إسرائيل هي العدو".
بل من العار أن تصمت بعض الأصوات 22 شهرًا أمام مجازر غزة، ثم تصحو فجأة لتطالب مصر بفك الحصار، وكأن الطائرات التي قصفتنا أقلعت من مطار القاهرة لا من تل نوف وبن غوريون!
أين كانت هذه الأصوات حين قُطعت أوصال أطفالنا؟
أين كانوا حين استُبيحت المستشفيات والمدارس؟
أين كانت مظاهراتهم حين كانت إسرائيل تغلق حتى الهواء عن غزة؟
أما أولئك الذين يُحاضرون باسم المقاومة، ويهاجمون كل من لم يُصدق روايتهم، فعليهم أن يتذكروا: لا أحد فوّضهم ليخوضوا حربًا دون مشورة شعبهم، ولا أحد طلب منهم أن يتحدثوا باسم فلسطين كلّها وهم لا يسمعون إلا أنفسهم.
العدو هو من يحتل، لا من يُغلق بوابة.
العدو هو من يقصف، لا من يتأخر عن الدعم.
العدو هو من فرض الحصار من البحر والجو والبر، لا من وقف مترددًا خلف الباب.
وإنْ كان العرب قد قصروا، فلتكن كلمتنا عليهم منصفة، لا أن نجعلهم في مرتبة المحتل، فتلك خيانة للذاكرة، وخيانة للدم، وخيانة للحق.
