فضيحة الطحين... لصوص الجوع ينهشون رزق الجائعين!
سامي إبراهيم فودة
أمد/ في زمنٍ صار فيه الطحين أثمن من الذهب، والرزق يُنتزع من بين فوهات المدافع، يشهد معبر زكيم واحدة من أبشع صور السقوط الأخلاقي والإنساني... فضيحة بكل المقاييس، أبطالها ليسوا الاحتلال هذه المرة، بل بعضٌ من أبناء جلدتنا الذين تجردوا من كل قيمة وضمير.
منذ أسابيع، يتدفق الآلاف من العائلات المنكوبة إلى منطقة زكيم، كلهم يبحثون عن فتات المساعدات... كبار سن، نساء، شباب، وأطفال يتسابقون إلى شاحنات الطحين والأرز، وكلهم يعرفون أنهم يسيرون نحو المجهول، حيث الموت برصاصة قناص، أو قذيفة طائشة، أو دهس تحت عجلات الفوضى.
لكن وسط هذا الزحف الإنساني النبيل، تظهر وجوه قذرة لا تشبه إلا الطفيليات...
فئة من البشر – إن جاز تسميتهم بشرًا – تحوّلوا إلى لصوص زكيم، يتنقلون ثلاث مرات يوميًا، لا من شدة الجوع، بل من شدة الجشع والطمع.
هؤلاء يتعاطون حبوبًا وعقاقير تُفقدهم الشعور بالتعب، فيحمل أحدهم كيس رز 50 كيلو أو طحين 50 كيلو كمن يحمل كيس خبز... ليس لبيته، بل لتخزينه، وبيعه لاحقًا للغلابة بأسعار خيالية في السوق السوداء.
الأدهى والأمرّ، أنهم لا يكتفون بالنهب...
بل صاروا يمارسون التخريب العمد، يفتحون أكياس الطحين ويكبّونها على الأرض، حتى فوق أرضية المقطورات، ويمزّقون الكراتين بالمنشطرات، ليفتشوا داخلها بعين التاجر الجشع لا عين المحتاج الجائع.
ينتقون ما خف وزنه وغلا ثمنه:
علب التمر، السيرج، الحلاوة، السكر، قمر الدين، الطحينية، البقوليات، حليب الأطفال (اللمبز)، علب صلصة البندورة بأحجامها المختلفة، وعلب السردين... وكل ما يمكنهم بيعه لاحقًا في السوق السوداء بضعف ثمنه.
ولم تقتصر المهزلة على هؤلاء الذكور المفترسين، بل انضمت إليهم بعض النسوة المتوحشات، يزاحمن الرجال في السطو والجشع، بوجوه لا تعرف الخجل.
ما نراه في زكيم ليس فقط أزمة مساعدات، بل كارثة أخلاقية...
ما يفعله هؤلاء لا يدل على جوع، بل على فساد، على انعدام القيم، على وجود تجّار دم بيننا، يقتاتون على مآسي الناس، يبيعون قوت الناس ليربحوا، حتى لو مات طفل في الخيمة من الجوع!
أيها الساكت عن الحق، لا تكن شريكًا...
وأيها السارق باسم الحاجة، تذكّر أن الله لا يبارك مالًا جاء من طحين مسروق، ولا من رز منثور على الأرض، ولا من حلاوة أُخذت من فم طفل يتيم!
- "فضيحة الطحين"... هي وصمة عار على جبين كل من سكت، وشارك، وتواطأ، وسكت عن الحق.
ولتكن هذه الكلمات صوتًا لكل من صرخ من القهر، ولم يُسمع صوته بين صفارات الإنذار وصفعات الغلاء والجوع.
