غزة وقصة موت معلن

تابعنا على:   16:00 2025-08-10

راغب شاهين

أمد/ حين كتب غابرييل غارسيا ماركيز روايته قصة موت معلن، ربما لم يكن يتخيل أن عمله سيصبح بعد عقود مرآة تكاد تطابق مأساة غزة. في الرواية، نعرف منذ الصفحات الأولى أن سانتياغو نصار سيُقتل. يعرف القتلة أنفسهم، ويعرف الجيران، وحتى السلطات، لكن أحدًا لا يمد يده ليمنع المأساة. الجميع يتحدث عن الجريمة قبل وقوعها، وكأنها طقس اجتماعي لا مفر منه.

غزة هي سانتياغو نصار في نسخته الفلسطينية. مدينة يعرف العالم بأسره أن يد القتل والحصار ممدودة نحوها، وأن الهجوم مسألة وقت، ومع ذلك، تتكرر الجريمة على مرأى ومسمع من الجميع. بل إن “الإعلان” عن القتل في حالة غزة قد يكون أوضح من أي رواية؛ تصريحات سياسية، تهديدات علنية، تعبئة عسكرية، لكن النتيجة واحدة: تُترك غزة وحيدة في مواجهة قدر مرسوم.

في قصة موت معلن، القاتلان بيدرو وبابلو فيكاريو ينفذان فعلتهما تحت ذريعة “الشرف”، والمجتمع يراها مبررة. أما في غزة، فالقتلة يتذرعون بـ”الأمن” أو “حق الدفاع عن النفس”، بينما يُمنح الحصار والقتل غطاءً دبلوماسيًا أو صمتًا دوليًا، فيتحول فعل الإبادة إلى حدث “طبيعي” في عيون كثيرين.

الأكثر مأساوية هو دور المحيطين. في الرواية، عشرات الأشخاص علموا بنية القتل لكنهم لم يفعلوا شيئًا، إما لأنهم اعتقدوا أن أحدًا آخر سيتدخل، أو لأنهم لم يظنوا أن التهديد جاد، أو لأنهم لم يريدوا التورط. أليست هذه هي قصة العالم مع غزة؟ بيانات إدانة، ووعود بالإغاثة، ومفاوضات طويلة، لكن ساعة القتل تأتي ولا أحد في الميدان يوقف السكاكين.

زمن الرواية مفكك، يعود كل مرة إلى لحظة الجريمة من زوايا جديدة، وهو ما يشبه ذاكرتنا مع غزة؛ بعد كل حرب نعود نسأل: كيف وصلنا إلى هنا؟ لكن الخيوط متشابكة بين صمت رسمي عربي، وتواطؤ دولي، وصراع داخلي، وتهرب من المسؤولية، حتى يصبح موت غزة حدثًا متكررًا، محفوظ التوقيت، معلنًا بوضوح، لكنه مع ذلك يقع في كل مرة.

ماركيز ترك في روايته سؤالًا مفتوحًا: هل كان يمكن إنقاذ سانتياغو؟ أما نحن، فلا نحتاج إلى السؤال نفسه، لأننا نعرف الجواب. غزة يمكن إنقاذها، لكن ذلك يتطلب كسر دائرة الصمت، ووقف التواطؤ، وإدراك أن الجريمة ليست قدرًا مكتوبًا، بل فعل بشري يُمكن وقفه إذا وُجدت إرادة حقيقية.

غزة، مثل سانتياغو نصار، لا تموت لأن القتلة أقوياء فقط، بل لأن الذين يعرفون موعد الجريمة يختارون أن يظلوا متفرجين. وهذا هو الموت المعلن بأوضح معانيه

اخر الأخبار