اقتصاديات الحرب في قطاع غزة

تابعنا على:   15:19 2025-08-12

د. مازن صلاح العجلة

أمد/ اقتصاديات الحرب في قطاع غزة تتمثل، بداية، بتدمير الاقتصاد القائم تدميرا شاملا، وانشاء أسس وانشطة تنجم عن مخلفات الحرب ونتائجه، وهي التي غالبا ما يُطلق عليها اقتصاديات الحرب، وسنتناول في هذا المقال كلا الجانبين.
هل ثمة أنشطة يمكن أن نطلق عليها أنشطة اقتصادية في قطاع غزة؟؟ اذا رصدنا محاولات الناس للحصول على الطعام فقد يبدو ذلك نشاطا استهلاكيا، واذا أدخل تاجر عدة شاحنات من انواع الغذاء الى غزة فقد يعتبر هذا نوع من التجارة. وكذلك يطلق على اولئك الباعة في مختلف الاسواق بالمعيار الجغرافي للانتشار. ليس ثمة انشطة انتاجية، ومن الصعب الحديث عن استثمارات هنا وهناك. وهذه الانشطة هي التي تعطي رقما موجبا للناتج المحلي حيث وصل في الربع الاول لعام 2025 الى 84 مليون دولار بانخفاض مقداره 85% مقارنة بالربع الثالث لعام 2023، أي عشية العدوان الاسرائيلي الفاشي. وقد انعكس هذا التراجع على نصيب الفرد من الناتج المحلي بدرجة أشد إذ بلغت نسبة انخفاضة 88% مقارنة بمستواه قبيل العدوان. ويأتي هذا التراجع الخطير في ظل تدمير معظم أصول الانتاج للقطاع الخاص، حيث تراجع الانتاج بنسبة 85% بنهاية 2024. الامر الذي أدى الى تراجع مساهمة قطاع غزه في اجمالي الاقتصاد الفلسطيني الى أقل من 5% بعد أن كانت تمثل حوالي %17 قبل السابع من أكتوبر، وأكثر من 35% قبل انقلاب 14 يونيو 2007.
بصورة شاملة ليس ثمة شكل من أشكال الاقتصاد بالمؤشرات المعروفة في غزة، فاقتصاد الحرب له خصائص قد تتشابه مع اشكال الموت من حيث النتائج على صعيد المستهلك، أو تنسجم مع طفرات الثراء المفاجئ لمن كان لا يجد قوت يومه سابقا.
بعد أن قضت عصابات الجيش الصهيوني على مقومات الاقتصاد الهش والضعيف في القطاع، سواء على صعيد أصول وآليات ونظم القطاع الخاص، أوعبر القضاء على العنصر البشري، أوسرقة أو تدمير السيولة النقدية التي وجدها الاحتلال مع الاشخاص او في البيوت، ناهيك عن النزوح وما يترتب عليه من القضاء على آخر أمل في اعادة الانتاج او حتى التجارة، فالنزوح المستمر يمثل قضاء على فرص ممارسة الحياة استهلاكا أو انتاجا بالمصطلحات الاقتصادية أو للمواطن بالمعنى الحقوقي والسياسي.
بعد ذلك حددت عصابات الجيش الفاشي أسس اقتصاد الحرب حينما قلصت المساعدات الى اقل قدرٍ ممكن، وحددت عدد التجار تحديدا مخلا بحجم الاحيتاجات المطلوبة من أجل الحياة، وحددت عدد الشاحنات التجارية تحديدا يصل الى الصفر في ايام تحاكي السواد في نتائجها. كذلك حدد العدوان الفاشي كمية النقود المتداولة بمنع دخول أية كميات جديدة منها، اضافة الى اعلاق المعابر. وخلقت عصابات الجيش الفاشي بيئة خصبة ومناسبة جدا لزيادة عدد اللصوص وقطاع الطرق، لاشاعة الفوضى وتهيئة المواطنين لقبول الهجرة في ظل هذا الموت والجوع.
كل ذلك يتم اشتثماره بشكل مبهر من قبل بقايا سلطة الامر الواقع ومن خلال وحدة سهم كذراع لاشاعة الخوف والارهاب، وما تبقى من شبكة الصرافين التي شكلتها حمااااس قبل العدوان، اضافة الى موظفين محسوبين على ماليتها، وهذه شبكة متكاملة تمثل تجار السيولة والتي تتلقى أوامر باعتماد نسبة العمولة لتوفير السيولة للمواطنيبن والتي وصلت الآن الى حوالي 52%. أضف الى ذلك استمرار تحصيل الرسوم والضرائب على المواطنين وخاصة رسوم الحصول على قبر لدفن الموتى على مدار الساعة.
لا أحد يملك قوتها ولا أدواتها ولا الاموال التي تسهل تحقيق اهدافها. ومن ثم فسيطرتها على كل مفاصل اقتصاد الحرب واضحة ولا تغيب الا عمدا لمن اراد حجبها دفاعا عن ظلم واحتكار يحاكي وضوح الشمس في رابعة النهار.
بناء على معرفة مسبقة بها وبأدواتها وأساليبها، خاصة في الاقتصاد، وبناء على شواهد ومشاهد تمت معايشتها في ميدان الواقع في الاسواق ومن خلال التجار الصغار، وبناء على شهادات لاطراف ذات علاقة مباشرة، فإن كافة ما يحدث على صعيد الارتفاع الجنوني للاسعار والعمولات، وطبيعة فئات النقود وسرقة المساعدات وخلو الاسواق من البضائع أو توفرها، تعتبر نتائج طبيعية لنهم الحركة وجشعها في الاستحواذ على المساعدات والاغذية القادمة مع شاحنات التجار، فضلا عن احتكارها للسيطرة على الاسعار واستمرار جنونها اللولبي صعودا الى مستويات لا يتحملها الاقصاد الطبيعي. فقد وصلت نسبة ارتفاع اسعار السلع الاستهلاكية في شهر حزيران 2025 في قطاع غزة 2025 الى 777%. لقد أدى هذا الاحتكار لكل أوجه القضايا المالية الى تراجع القوة الشرائية بنسبة 70.41% بنهاية عام 2024، وغالبا ستتجاوز هذه النسبة حتى تاريخه.
على صعيد معدلات البطالة والفقر، يؤكد الجهاز المركزي للاحصاء، فإن الحديث عن سمات العمالة في قطاع غزة غير واقعي، كون غالبية المفاهيم والمصطلحات المتعلقة بقياس سمات القوى العاملة لا تنطبق على قطاع غزة بسبب حرب الابادة عليه. ورغم ذلك أصبح من مسلمات اقتصاد الحرب شيوع الفقر والبطالة بين المواطنين وتدمير سبل العيش واختلال ميزان الحياة عموما. إذ تشير التقارير الى سيادة الفقر متعدد الابعاد وبنسبة 100% من السكان، وفقا لتقديرا ومشاهدات اليونسف. كما أن الفقر بمعدله العام يصل الى 80% من عدد السكان، وكذلك معدل البطالة، حيث لا فرص عمل ولا وظائف، فكيف يمكن أن يتوفر ذلك في ساحة حرب تنعدم فيها اسباب الحياة؟

اخر الأخبار