الغزيون بين خيار البقاء ورحلة الرحيل: كرامة لا مساومة عليها
راغب شاهين
أمد/ ليست غزة مجرّد شريط ساحلي صغير محاصر، بل هي مرآة لتاريخ طويل من الصمود الفلسطيني أمام استعمار إحلالي لم يعرف الرحمة منذ أكثر من سبعة عقود. تحت سمائها الملبدة بالبارود، وعبر شوارعها التي تكسوها الأنقاض، عاش جيل بعد جيل على وقع الحصار والقتل الممنهج، حتى صار البقاء في غزة فعل مقاومة، والمغادرة قرارًا موجعًا لا يقل بطولة عن الثبات.
هنا، يجب أن يتوقف كل من يرفع إصبعه للمزاودة: لا أحد يملك حق لوم الغزي إذا قرر أن يرحل. فمن يولد في غزة يولد في قلب جغرافيا محاصرة، ومن يقرر المغادرة يفعلها غالبًا بعد أن يثقل قلبه بأعوام من الألم والفقد، وبعد أن يعجز عن توفير الحد الأدنى من الأمان لعائلته.
التاريخ الإنساني مليء بأمثلة مماثلة. حين حوصرت سراييفو بين عامي 1992 و1996 خلال حرب البوسنة، لم يُتَّهم من غادروها بالخيانة، بل فهم العالم أن البقاء وسط القنص والقصف كان ضربًا من المستحيل. في بيروت، أثناء الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، خرج عشرات الآلاف من المدنيين ضمن ترتيبات دولية، ولم يزايد أحد على وطنيتهم، بل ظلوا جزءًا من الذاكرة الوطنية اللبنانية والفلسطينية. حتى في الحرب العالمية الثانية، حين كانت لندن تحت القصف الألماني (The Blitz)، أُجلِي آلاف الأطفال إلى الريف، ولم يصفهم أحد بأنهم تخلّوا عن مدينتهم.
غزة، مثل تلك المدن، تواجه حربًا مركّبة: حصار اقتصادي وسياسي منذ عام 2007، قصف متكرر يستهدف المنازل والمدارس والمستشفيات، انهيار شبه كامل للبنية التحتية، وانسداد أفق اقتصادي يجعل البطالة في صفوف الشباب من الأعلى عالميًا. ومع ذلك، تُطلب من الغزي معجزة البقاء بلا دواء ولا كهرباء ولا ماء نظيف، وكأن البطولة تُقاس بكمية الجوع والحرمان التي يستطيع أن يتحملها.
سياسيًا، قرار البقاء أو الرحيل لا ينفصل عن واقع أوسع من إرادة الفرد. المجتمع الدولي، الذي يدّعي حماية المدنيين، تواطأ بالصمت أمام الحصار، فيما عمّق الانقسام الفلسطيني الداخلي مأساة غزة، وتركها رهينة لسياسات ضيقة وحسابات فصائلية. من السذاجة أو الظلم أن نحمّل الفرد عبء فشل النظام الدولي أو إخفاقات النخب السياسية.
كما أن التجارب العالمية تثبت أن الشتات لا يقتل الهوية، بل قد يقوّيها. الأرمن الذين هُجّروا عام 1915 حافظوا على هويتهم في المنافي، واليهود الذين تفرّقوا قرونًا ظلوا متمسكين بسرديتهم — التي نعي تمامًا أنها سردية مزوّرة أُعيد إنتاجها في سياق سياسي استعماري — حتى وظفوها لاحقًا كذريعة لإقامة كيانهم الغاصب على أرض فلسطين. الفلسطيني في الخارج، سواء جاء من غزة أو الضفة أو مخيمات اللجوء، ظل طوال العقود الماضية صوت قضيته في المحافل الدولية، وجسرًا بين العالم ووطنه المسلوب.
لهذا، لا يحق لأحد أن يزاود على الغزيين. من بقي في غزة يقاتل ليحيا فوق أرضه، ومن رحل عنها يقاتل ليحيا من أجلها، وكلاهما جزء من نفس القصة. الكرامة الفلسطينية ليست محصورة في الجغرافيا، بل ممتدة حيث يوجد الفلسطيني، في الوطن أو في المنفى.
في النهاية، يجب أن نقرأ قرار الرحيل من غزة كما قرأنا خروج سراييفو من تحت النار، أو إجلاء أطفال لندن أثناء القصف، أو نزوح أهل بيروت في 1982: ليس تخليًا، بل محاولة للبقاء حيًّا وسط عالم قرر أن يغض الطرف عن الجريمة المستمرة.
إن غزة ستبقى حاضرة، بمن بقي فيها ومن غادرها، ولن يستطيع أحد — مهما علا صوته بالمزاودة — أن ينتزع من أهلها حقهم في الكرامة، في الوطن، وفي الحياة.
