شو صار بالأمة حتى صار أبو يائير الملهم رمزاً ، وصاروا يحكوا علناً عن إسرائيل الكبرى؟ …
مروان صباح
أمد/ شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة تحولات فكرية وسياسية عميقة ، جعلت بعض الشرائح تنظر بإيجابية إلى شخصيات كانت تُعدّ خصوماً تقليديين للعرب والفلسطينيين ، وتحديداً إذا كانت مسؤولة عن ابادة شعب بالكامل ، ويطرح هذا التحول إشكالية جوهرية : كيف وصلت الأمة العربية إلى هذا المستوى من الإنحطاط في وعيها الجمعي؟ ، ولم يعد مستغرباً أن نرى في بعض المناطق العربية – مثل السويداء في سوريا – صور بنيامين نتنياهو تُرفع في الميادين ، حيث كانت صور جمال عبد الناصر تزين المكان في 60 القرن الماضي ، إن هذا التحول لا يمكن فهمه بعيداً عن أزمة الهوية وضعف المشروع القومي العربي أو الإسلامي ، الذي بدأ بالتراجع منذ 70 القرن العشرين .
تؤكد الشواهد التاريخية أن التعليم كان ركيزة أساسية لنهضة المسلمين في العصر العباسي ، إذ تدرج المتعلم عبر مراتب الفهم والاستيعاب حتى بلوغ الإجازة العلمية ، أما اليوم ، فقد تراجع مستوى التعليم إلى مجرد شهادات شكلية لا تُترجم إلى إبداع أو إبتكار ، هذا التدهور انعكس على الإنتاجية والابتكار في العالم العربي ، مقابل استمرار الغرب في تطوير منظوماته التعليمية عبر سياسات تطويرية مستدامة ، وتقوم الجامعات الغربية الكبرى – مثل هارفارد وأكسفورد وكامبريدج – على استقلالية مالية وإدارية واسعة ، تمنحها حرية البحث والإبداع ، وفي المقابل ، عرفت الحضارة الإسلامية نموذجاً مبكراً للاستقلالية عبر ما يعرف بالوقف ، الذي مكّن المؤسسات التعليمية من الإستمرار والإزدهار ، فقد بلغت قيمة الوقف التعليمي في هارفارد اليوم نحو 36 مليار دولار ، وهو إمتداد لفكرة الوقف الإسلامي التىّ أسستها المدارس النظامية في بغداد بإدارة الإمام الغزالي ، لم يكن تأثير الحضارة الإسلامية في أوروبا شكلياً ، بل كان بنيوياً وعميقاً ، فقد أسهمت المدارس والوقفات العلمية في ترسيخ عقلية جدلية نقدية ، إنعكست لاحقاً في تطور الجامعات الأوروبية ، ويؤكد مؤرخو التعليم أن أوروبا مدينة للعالم الإسلامي في تأسيس الكثير من مفاهيم الحرية الأكاديمية والمنهجية البحثية .
إن إنتقال بعض العرب من رفع صور عبد الناصر إلى رفع صور نتنياهو ليس مجرد حدث عابر ، بل هو إنعكاس لأزمة وعي ممتدة الجذور ، بدأت مع إنهيار منظومات التعليم وفقدان الاستقلالية الفكرية ، ولا يمكن إستعادة المشروع العربي النهضوي إلا بإصلاح التعليم ، وتعزيز إستقلال الجامعات ، وإحياء قيم الوقف العلمي ، تماماً كما فعلت الأمة الإسلامية في عصور أزدهارها …
يبدو أن خطاب نتنياهو لا يمكن اختزاله في كلمات عابرة ، إذ إنه ينطوي على دلالات سياسية واستراتيجية عميقة ، فهو لا يعبّر فقط عن نزعة خطابية قومية يهودية ، بل يُقدَّم كتصور إستراتيجي ذي بعد كولونيالي يتجاوز اللحظة الراهنة (Pappe, 2006) ، إن إشارته المتكررة إلى “المسؤولية التاريخية” في تحقيق ما يُسمّى بحلم إسرائيل الكبرى لا يُعدّ مجرد تعبير حماسي أو هذيان سياسي ، بل هو جزء من سردية تاريخية تسعى إسرائيل من خلالها إلى تثبيت حضورها المؤسسي داخلياً وتوسيع نفوذها خارجياً (Shlaim, 2014) ، وتتجسد هذه الرؤية في بنية المؤسسات التعليمية والبحثية الإسرائيلية ، التىّ تُسهم في دعم القوة الناعمة للدولة ، وتمتد آثارها إلى النفوذ السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية (Makinda, 2019) ، فالحضور الإسرائيلي في إفريقيا لا يُمكن تفسيره بالعلاقات الدبلوماسية التقليدية وحدها ، بل يتصل ارتباطاً مباشراً بالمنافسة الدولية على المعادن الإستراتيجية الضرورية لصناعة البطاريات والشرائح الذكية (IEA, 2022).
ولقد تحوّلت المعادن في العقدين الأخيرين إلى مورد أكثر أهمية من النفط والغاز ، نتيجة العوائد الإقتصادية الضخمة للصناعات المرتبطة بها مقارنة بالموارد التقليدية مثل الذهب والفضة (World Bank, 2020) ، وإذا كان الذهب قد عُدّ في السابق المعدن الأكثر قيمة ، فإن السيليكون والليثيوم اليوم يتقدمان المشهد ، لما لهما من دور محوري في صناعة الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة (Sachs & Warner, 2021) ، ولا تنفرد إسرائيل وحدها بهذا الوعي الإستراتيجي ، إذ تشهد القارة الإفريقية تنافساً حاداً بين الولايات المتحدة والصين ، في محاولة للسيطرة على مستقبل التكنولوجيا والطاقة (Alden & Alves, 2017 ) ، وقد وجدت الدول الإفريقية نفسها أمام ضرورة تبنّي سياسة توازن حذرة بين هذين العملاقين ، في هذا السياق ، تسعى إسرائيل إلى تعزيز موقعها ، ليس فقط عبر الإقتصاد والتكنولوجيا ، بل أيضاً من خلال التحكم بالموارد الحيوية مثل المياه ، وتوسيع نفوذها ضمن المنظومة المالية العالمية وآلياتها المستحدثة (Klein, 2020) …
يُظهر خطاب نتنياهو بعداً يتجاوز الطابع الخطابي المباشر ، إذ لا يمكن اختزاله في كلمات قليلة أو النظر إليه بإعتباره مجرد حماسة قومية يهودية ، بل هو تعبير عن رؤية إستراتيجية متجذّرة في مشروع كولونيالي طويل الأمد ، فإشارته إلى مسؤوليته التاريخية في تحقيق ما يُعرف بـ”حلم إسرائيل الكبرى” لا تعكس وهماً سياسياً أو خطابات دعائية ، بقدر ما تعبّر عن إدراك متجدد بأنّ إسرائيل الراهنة ليست سوى مرحلة تأسيسية لإسرائيل المستقبلية ، القائمة على بناء مؤسسات متينة وفاعلة ، ويتجلّى هذا التوجّه في السياسات التعليمية التىّ تبنّتها إسرائيل ، والتىّ لم تقتصر على الداخل فحسب ، بل امتدّت إلى تعزيز نفوذها في المحيط الدولي ، وخاصة في القارة الإفريقية ، هذا الحضور لم يأتِ اعتباطياً ، بل يرتبط عضوياً بالسباق العالمي نحو السيطرة على المعادن الاستراتيجية التىّ يُطلق عليها في بعض الأدبيات “الحمّى الحمراء” .
وتكتسب هذه المعادن أهميتها من دورها المحوري في الصناعات التكنولوجية المتقدمة ، مثل البطاريات الكهربائية والشرائح الذكية ، وهي صناعات باتت تفوق في قيمتها الاقتصادية لأي شيء سابق ، وإذا كان الذهب في الماضي يُعتبر المعدن الأكثر جاذبية ، فإنّ السيليكون أصبح اليوم “الذهب الجديد”، لما تمثله الرقائق الإلكترونية من عنصر حاسم في الإقتصاد الرقمي العالمي ، في هذا السياق ، أصبحت القارة الإفريقية ساحة صراع جيوسياسي ، حيث تسعى كل الدول الكبرى إلى ضمان موقع متقدّم في صناعة المستقبل ، وإلى جانب ذلك ، برزت إسرائيل لاعباً فاعلاً في هذه المنافسة ، مدفوعة بوعيها المبكر لأهمية المتغيرات الصناعية والتكنولوجية ، كما انخرطت في مشاريع استراتيجية تتعلق بالتحكم في الموارد الطبيعية لفرض أشكال جديدة من الهيمنة العابرة للحدود .
وعليه ، فإنّ خطاب نتنياهو لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العالمية في مجالات التكنولوجيا ، الطاقة ، والسياسة الدولية ، إنه يعبّر عن محاولة إسرائيلية لصياغة موقع إستراتيجي فاعل داخل بنية النظام الدولي الجديد ، حيث تتحوّل السيطرة على الموارد والمعرفة إلى محدد رئيس في القوة والهيمنة …
تسعى الحركة الصهيونية إلى توسيع نفوذها في المنطقة العربية والإقليمية ، مستفيدةً من الخبرات التىّ إكتسبتها في أوروبا وأمريكا ، وعلى الرغم من وجود حركات شعبية واسعة ضد السياسات الإسرائيلية في أوروبا ، إلا أن الصهاينة إستطاعوا بناء شبكات نفوذ قوية في المؤسسات العامة والخاصة ، بما في ذلك المجال المالي والاقتصادي والاجتماعي (Pappe, 2010) ، ويرى بعض الباحثين أن الصراعات الكبرى في القرن 20 ، مثل صعود النازية والشيوعية ، كانت مرتبطة إلى حد كبير بالإقتصاد العالمي ومحاولات القوى الكبرى السيطرة على الموارد والأسواق (Evans, 2005) ، ففي ألمانيا ، أعتبر النازيون أن السيطرة الاقتصادية العالمية من قبل بعض الجماعات تهدد سيادة الدولة القومية ، بينما رأى الرأسماليون الغربيون في هتلر تهديداً للنظام القائم (Kershaw, 2000) .
وقد شهدت الفترة نفسها تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة في روسيا وأوروبا ، حيث لعبت التوترات الاقتصادية والسياسية دوراً في إندلاع الثورات والحروب ، وكان فهم التوازن بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي أمراً محورياً لجميع القوى الكبرى في تلك الفترة (Strachan, 2004) .
في القرن 21 ، يستمر تأثير هذه الديناميات التاريخية على السياسات الدولية والإقليمية ، بما في ذلك تطورات المشروع الإسرائيلي وعلاقاته مع الدول الكبرى والإقليمية ، ويُلاحظ أن التمويل الدولي والشبكات الاقتصادية لا تزال تلعب دوراً في تشكيل السياسات الاقتصاديّة والأمنية للدول ، واذا تمكنوا الصهاينة من إبادة الشعب الفلسطيني بعد محاصرته ، فإن الأخرين سيتم لاحقاً إبادتهم بنشر الفقر والتخلف والفساد
