القبور في غزة.. ساحة نزاع بين الأحياء والموتى
سامي إبراهيم فودة
أمد/ في ظل الظروف الصعبة التي تمر بها غزة، حيث تتوالى الأزمات والاحتياجات، يُفترض أن تحظى حرمة الموتى بالحماية والاحترام، فهي الحد الأخير الذي يحفظ كرامة الإنسان بعد رحيله. ولكن للأسف، ظهرت ظاهرة مقلقة تتحدى هذه القيم، إذ أصبحت قبور الموتى عرضة للنهب والسرقة في غياب أي رقابة أو حماية فعالة. هذه الظاهرة ليست فقط انتهاكًا لحرمة الأموات، بل هي جرس إنذار يدق بقوة حول هشاشة الأمن الاجتماعي والقانوني في قطاع يعاني أصلاً من أزمات متشابكة.
في غزة، حيث تُحاصر الحياة كل يوم، صارت حرمة الموتى منتهكة بطرق لم نكن نتوقعها. ليس فقط الحصار والدمار هما ما يعاني منه الناس، بل حتى قبور أحبائهم لم تعد آمنة من الاستباحة والسرقة.
ظاهرة سرقة القبور ليست مجرد خبر عابر أو حادثة فردية، بل أصبحت واقعًا مؤلمًا يهدد حرمة الموتى وكرامة العائلات. في المقابر القديمة، يعمد البعض إلى تحطيم أجزاء من شواهد القبور، والانتظار حتى يمر الوقت دون مراقبة أو اهتمام، ليعودوا مرة أخرى ويفتحوا القبر وينهبوا محتوياته، إذ تُجمع العظام جانبًا، وتُباع القبور بعد ذلك بثمن بخس، يقدر بحوالي 1400 شيكل للقبر الواحد.
هذه الممارسات ليست فقط انتهاكًا لكرامة الموتى، بل هي علامة على انعدام الأمن والانفلات القانوني، وانعدام الضمير الإنساني في مجتمع نعرفه بالصمود والإنسانية. في ظل غياب الرقابة والحماية، وفي ظل سلطة غائبة أو عاجزة عن فرض القانون، تحولت المقابر إلى ساحة صراع خطير، حيث يُباع "المسكن الأبدي" بأبخس الأثمان، وكأن الإنسان بعد موته أصبح سلعة.
هذا الانحدار الأخلاقي يعكس حجم المعاناة التي نعيشها، لكنه يدق ناقوس خطر عميق: إذا وصلنا إلى حد انتهاك حرمة الأموات بهذه الطريقة، فأين هي الحدود التي لن تُجرَف؟
المطلوب اليوم، هو أن تتحرك الجهات الرسمية والمجتمع المدني بكل جدية.
ضرورة وضع رقابة صارمة على المقابر، وتوفير الحماية اللازمة لها.
كما يجب أن تلتزم العائلات بزيارة قبور موتاها، ومتابعة أي نشاط مريب حولها، وعدم التسامح مع أي شكل من أشكال الإهمال.
القبر هو حق أخير لكل إنسان، وكرامته لا تقل أهمية عن كرامته وهو حي.
لن نسمح لأنفسنا أن نعيش في مجتمع تسرق فيه قبور الموتى، ويُباع فيها رفات البشر كسلعة رخيصة.
غزة التي قاومت الحصار والتحديات، يجب أن تحمي حرمة موتاها، لأنها تحمي بذلك إنسانيتها.
في ختام سطور مقالي:
إن ظاهرة سرقة القبور في غزة ليست فقط مشكلة أمنية أو قانونية، بل هي أزمة أخلاقية وإنسانية تعكس الواقع المؤلم الذي نعيشه. إن حماية حرمة الموتى واجب إنساني وأخلاقي لا يحتمل التأجيل أو التجاهل، فاحترام الموت هو احترام للحياة ذاتها. على الجميع – من مؤسسات رسمية ومجتمع مدني وأفراد – أن يتكاتفوا لحماية هذا الحق، وإعادة الكرامة لموتانا، قبل أن يتحول الانهيار إلى واقع لا يمكن الرجوع منه..
